قال رسول الله صلّ الله عليه وسلم:
“اللهم ألّف بين قلوبنا وأصلح ذات بيننا واهدنا سبل السلام”

لا شك أن الزوجين لا يحتاجان إلى جهد كبير للإحساس بالرحمة والمودة فيما بينهما؛ فقد تكفَّل الحكيم الخبير بمنحهم هذه العطية الكريمة من غير عناء ومشقة، فجبل قلوبهم عليها، قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (21) سورة الروم.

فرصيد الفطرة وما جُبِلت عليه النفوس مكفول من رب العالمين، وليست المودة والرحمة وسائر المشاعر الإنسانية مما يُباع ويُشترى، لكن ما تفتقر إليه بعض البيوت بحق هو تنمية هذه النعمة والحفاظ عليها من تقلبات النفوس والأحوال.. !

ولكي تعيش – أيها الزوج- حياة المودة والرحمة التي منحك الله إياها تجاه زوجتك نوصيك أن تحاول جهدك أن تخلع همومك عند عتبة الباب، وادخل إلى بيتك وزوجك وصغارك باسماً هاشاً؛ وتذكَّر لهفتهم إلى لقائك، وترقبهم مجيئك.

وأنتِ أيتها الزوجة الربَّانية كوني عوناً لزوجك على الشيطان؛ فإذا اعتراه ما يعتري الناس من الضيق والهم، التمسي له العذر وقابليه بالإشفاق عليه، وامسحي همه بكلمة حنونة عند أول نظرة إلى وجهه، ولكِ عليه بدوره إذا لقيك مهمومة عند دخوله البيت أن يلتمس العذر؛ مما يعلمه من مشكلات الصغار وأعباء المنزل، فيفاجئك بابتسامة ودعابة تملأ البيت سروراً وانشراحاً.

فبقليل من التماس العذر، وإحسان الظن، والعطف والشفقة؛ تصلح البيوت وتستقيم الحياة على منهاج الشرع الحكيم، وهدي النبي الكريم صلى الله عليه وسلم.

إن الناظر في أحوال كثير من بيوت المسلمين اليوم يجد أنه قد قل فيها التعامل بين الزوجين باللين والرحمة وازدادت ظاهرة العنف والقسوة وبصور مختلفة إذ باختلاف النفوس وطبائعها تختلف ردة الفعل عند الغضب، وأثناء النقاش الحاد عند الأزواج، فمنهم من يستطيع أن يملك زمام أعصابه، ويتحدث بهدوء وروية عند أي مشكلة أو تقصير، بينما صنف آخر يستعمل يديه قبل لسانه، فما تشعر المرأة إلا ويداه تهوي على زوجته بالضرب ولأتفه الأسباب!.

أيها الأخ الكريم: لو تأملت كيف كان يتعامل رسول الله –صلى الله عليه وسلم- مع أزواجه، وجعلته قدوة لك في التعامل مع أهلك، فإن ذلك خيرٌ لك من إظهار رجولتك عن طريق العنف والقسوة.

ومما يدل على مودته ورحمته بنسائه -عليه الصلاة والسلام- احتماله لزوجاته وما يحدث بينهن من ارتفاع الصوت وخصومة، إضافة إلى ما كان يعانيه من معالجة للوحي وتدبير للأمة، وليس هذا لنقص فيه وحاشاه، ولكن لعلمه بما ركبَّه الله في المرأة من رقة الطبع وجيشان العاطفة!!

فاتق الله – أيها الزوج – وعوِّد نفسك أن تكون صاحب الفطرة السليمة –المودة والرحمة- وتجنب الشدة في تعاملك مع زوجتك؛ فالمرأة ضعيفة، وهي أسيرة عندك وبحاجة للرعاية والرحمة، والتزم طريقة الشرع المطهر في تعاملك وتأديبك لها من غير إفراط ولا تفريط، فهي بحاجة لرحمتك وشفقتك وتربيتك وتعليمك لها ولأولادها، وتذكر أساليب التأديب التي بينها الشرع فإن أطعتك فلا تبغ عليها، واعلم أن الله عليٌ كبير منتقم من الظالمين، وإن احتجت إلى ضربها فاحذر الضرب المبرح؛ قال تعالى: {وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا} (34) سورة النساء.

والمرأة كما وصفها النبي – صلى الله عليه وسلم- كالزجاجة سرعان ما تتهشم إن لم يرفق بها، فقد ثبت عنه –عليه الصلاة والسلام- أنه قال لأنجشة – رضي الله عنه- (أرفق يَا أَنْجَشَةُ –وَيْحَكَ- بِالْقَوَارِيرِ).

واعلم أن المرأة خلقت من ضلع أعوج ؛ فصفة العوَج متأصلة في المرأة فليراعى ذلك، واجعل نصب عينيك قول النبي –صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ الْمَرْأَةَ خُلِقَتْ مِنْ ضِلَعٍ لَنْ تَسْتَقِيمَ لَكَ عَلَى طَرِيقَةٍ، فَإِنْ اسْتَمْتَعْتَ بِهَا اسْتَمْتَعْتَ بِهَا وَبِهَا عِوَجٌ، وَإِنْ ذَهَبْتَ تُقِيمُهَا كَسَرْتَهَا وَكَسْرُهَا طَلَاقُهَا).

وإذا كنا نتحدث عن حاجة المرأة إلى مودة ورحمة زوجها، فإن الرجل –أيضاً- ليس في غنىً عن ذلك، فعلى المرأة أن تدخل السرور على زوجها، وتتعامل معه بالرحمة التي وهبها الله إياها، ليعيش هو –أيضاً- في سعادة بعيداً عن نكد الحياة الزوجية –كما يقولون- وبتعاون الركنين –الزوج والزوجة- في إسعاد كلٌّ منهما الآخر تسعد البيوت.

نسأل الله أن يديم السعادة في بيوت المسلمين، وأن يجعل حياتهم عامرة بطاعة الله، وسبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.

ملفات للتحميل