البداية كانت من قبيلة “لنتونة” البربرية التي انضمت إلى جماعة الشيخ (عبد اللَّه ابن ياسين) بفضل (يحيى بن عمر اللنتوني) والذي أدخل قبيلته إلى مجموعة المرابطين قبل أن يتوفى بأيام قليلة، عندها تولى أخوه (أبو بكر بن عمر اللنتوني) زعامة القبيلة، قبل أن يتولى زعامة جماعة “المرابطين” بعد موت الشيخ عبد اللَّه بن ياسين رحمه اللَّه، فأصبح أبو بكر اللنتوني زعيمًا لجماعة المرابطين في أقصى جنوب موريتانيا وأقصى شمال السنغال، فأخذ اللَّنتوني يجاهد في سبيل اللَّه في جميع أرجاء موريتانيا والسنغال، ليعيد القبائل البربرية إلى جادة الإسلام الصحيح، فدخل الناس هناك في جماعة المرابطين، وازداد عددهم بشكلٍ كبير، وأصبحت جماعة المرابطين المجاهدة رقمًا صعبًا في معادلة الغرب الأفريقي بأسره! وبعد سنتين فقط من حكم الشيخ أبي بكر بن عمر اللنتوني وبالتحديد في سنة 453 هـ، سمع الشيخ بأن طائفتين من المسلمين على وشك الاقتتال في جنوب السنغال، فأخذ نصف فرسان المرابطين البالغ عددهم 14 ألف مرابط ليصلح بين المسلمين هناك، وأوكل قيادة دويلة المرابطين الناشئة إلى ابن عمٍ له، فأدرك الشيخ المسلمين في السنغال قبل أن يقتتلوا، ولكنه تفاجأ هناك أن في جنوب السنغال من لا يزال على عبادة الأشجار والأوثان، فقام الشيخ بدعوتهم للإسلام، وشرح لهم ما يدعو إليه الإسلام من عدلٍ ومساواةٍ بين البشر، فأعجب الأفارقة بهذا الدين العجيب الذي يغزو العقول والقلوب معًا، وبعد ذلك أراد الشيخ أن يرجع إلى دولته الناشئة، ولكن حبه للدعوة كان يفوق حبه للكرسي، فاستمر الشيخ أبو بكر بن عمر اللنتوني في التوغل في أدغال أفريقيا، يحارب بـ 7 آلاف جندي من المرابطين الحكام الوثنيين الذين يمنعون دعاة المسلمين من دعوة الشعوب المستضعفة، فدخل الأفارقة في دين أفواجًا، فاستمر الشيخ المجاهد يدعو الأفارقة إلى الإسلام بشكلٍ أنساه كرسي الحكم الذي تركه لابن عمه، وظل الشيخ ينشر دين اللَّه هنا وهناك في أدغال أفريقيا وغاباتها ليدخل في الإسلام دولًا بأسرها! فقد أدخل الشيخ اللنتوني في الإسلام كل من: السنغال، الكاميرون، نيجيريا، غانا، بنين، سيراليون، ليبيريا، الجابون، غامبيا، النيجر، تشاد، مالي، غينيا، غينيا بينساو، غينيا الاستوائية، بوركينا فاسو، أفريقيا الوسطى، توجو، ساحل العاج، الكونغو. وبعد خمسة عشر عامًا قضاها الشيخ أبو بكر بن عمر اللنتوني في الدعوة إلى اللَّه رجع الشيخ عام 468 هـ بنصف مليون من الجنود الأفارقة الأشداء الذين أدخلهم في الإسلام، فلمّا وصل الشيخ أبو بكر إلى “مراكش” التي بناها ابن عمه واتخذها عاصمة له، تفاجأ أن ابن عمه الذي تركه مع 7 آلاف جندي في صحراء موريتانيا قد أدخل القبائل البربرية بأسرها إلى دولة المرابطين، ولم يكتفِ بذلك فحسب، بل انتهز فرصة غياب ابن عمه ليقوم بدوره بدعوة الناس في الشمال الأفريقي إلى دين اللَّه الصحيح، فضم إلى دولة المرابطين كلًا من: موريتانيا، والمغرب، والجزائر، وتونس! فأصبحت دولة المرابطين التي أسسها الشيخ المجاهد عبد اللَّه بن ياسين من خيمة مرابطة واحدة في غابة نائية من غابات السنغال الشمالية تمتد الآن من تونس شرقًا إلى غينيا بيساو غربًا، ومن الجزائر شمالًا إلى الجابون جنوبًا.

وهناك في مراكش، تقابل ابنا العم المجاهدان، وتعانقا بعد طول فراق، وتذكرا كيف كان حالهم قبل مجيئ الشيخ عبد اللَّه ابن ياسين إليهم بدعوة التوحيد، وكيف كان شيخهم يعلم الناس التوحيد في رباطه من خيمته البالية، وكيف تحمل أذى الناس في دعوته حتى بعد أن أحرقوا له بيته، وكيف ضربوه وطردوه في الصحراء، وكيف لم ييأس في دعوته، تذكرا ذلك كله، ونظرا إلى ما هما عليه الآن من ملك لأكبر إمبراطورية عرفتها أفريقيا، عندها أجهش الرجلان في البكاء، قبل أن يعيد ابن عم الشيخ أبي بكر بن عمر اللنتوني زعامة الإمبراطورية له، عندها حدث أمرٌ عجيب! لقد قام الشيخ المجاهد أبو بكر بن عمر اللَّنتوني بعملٍ لا يتكرر في التاريخ الإنساني إلا في حالة أمة الإسلام فقط، فلقد رفض الشيخ أبو بكر تسلم مقاليد الإمبراطورية! وفضَّل على ذلك أن يترك الحكم لابن عمه، ليستمرَّ هو في الدعوة إلى اللَّه، ليس ذلك فحسب بل ذهب الشيخ أبو بكر إلى زوجته وأخبرها أنه وهب نفسه للَّه سبحانه وتعالى، وأنه عازمٌ على الشهادة في سبيل اللَّه، بعد ذلك ودع الشيخ أبو بكر ابن عمه الذي أجهش بالبكاء في وداعه، وتعانق البطلان عناقًا أخيرًا، لينتقل بطلنا مرة أخرى إلى عمق القارة السمراء، يدعو الناس إلى عبادة اللَّه الواحد، ويجاهد في سبيله ملوك الكفر والظلم، حتى جاء ذلك اليوم الذي كان فيه الشيخ أبو بكر بن عمر اللنتوني في رحلةٍ دعوية جديدة في إحدى غابات أفريقيا الاستوائية، هناك انطلق سهم غادرٌ من قوس أحد الملوك الوثنيين، ليستقر في قلب هذا البطل الإنساني العظيم، ليسقط فاتح أفريقيا شهيدًا بإذن اللَّه، وليسجل التاريخ الإسلامي اسم القائد الشيخ المجاهد البطل أبو بكر بن عمر اللنتوني بحروف من نور في قائمة العظماء، فلا يصلي شيخ في “أبيدجان”، ولا يُرفع الأذان في “دكار”، ولا يسجد طفل في “وجادوجو”، ولا يزكي مسلم في “أكرا”، إلا وكان للشيخ المجاهد البطل أبو بكر بن العمر اللنتوني مثل أجرهم لا ينقص من أجرهم شيء.

ملفات للتحميل