خرج من بيته متأخرا علي العمل، وحين خروجه تشاجر مع زوجته كالعادة، وأشاح غاضبا في وجه أبنائه، ولم يعر حارس العقار إلتفاتا رغم كثرة ما نادي عليه ليخبره عن أمور هامة..!
في الطريق كان كمن يُحدث نفسه من شدة الضيق والعنت، وربما سمعت له همهمات صاخبة إذا اقتربت منه علي حين غفلة، هذا بخلاف وجهه الذي بدا لشخص لم يعرف طريقا للإبتسام منذ شهور؛ فقد تزاحمت فوقه القسمات والتجاعيد ما وشي بعمر يعادل أضعاف عمره الحقيقي أو يزيد..
لم يختلف يومه كثيرا بعد ذلك، فما بين انفعال غير متزن في وجه بعض الزملاء، تبعه فقده لمبلغ متوسط من المال كان ينتوي به الذهاب إلي محل الأثاث لدفع أحد الأقساط المتأخرة عليه، إلا أنه بحث في حقيبته وحافظة نقوده بدقة فلم يجده، فاشتد غضبه وتغيّر وجهه بملامح أكثر غلظة؛ حتي أنه لم ينتبه لكوب الماء الذي وضعه العامل علي مكتبه فارتطمت يده به دون قصد فانهمر الماء علي أوراق العمل التي سهد ليله يكتب فيها..وهنا لم يتبقي في قوس صبره منزع، فعلا صوت صراخه وسخطه حتي وصل إلي غرفة مدير العمل، والذي جاء مسرعا ليقابل عاصفة الغضب بعاصفة مماثلة انتهت بإعلان هذا الموظف المُهمل موقوفا عن العمل لثلاثة أيام..!
*
خرج من العمل هائما وقد خارت قواه حتي علي الغضب من جديد؛ فقد كان يشعر بآلام وإرهاق كمن أنهي لتوه سباقا في الركض، ومع ذلك فقد استمر في السير علي غير هدي متعمدا عدم الذهاب في طريق البيت، بل ساقته قدماه بعيدا بعيدا..،وكلما نظر خلفه ورأي نفسه قد ابتعد أحسّ براحة أكثر وأكثر وواصل السير كمن يعرف إلي أن يذهب لا من يفرغ ما تبقي له من طاقة في الابتعاد عن كل ما من شأنه أن يذكره بما حدث، ويحدث كل يوم..
بدأ الليل يحل ويملأ الأجواء ظلاما وسكونا عجيبا، وهنا سمح لنفسه أن يستريح قليلا، فاتكأ بجسده علي حافة جدران غليظة ثم بدأ يملأ صدره بهواء رطب انبعث من حوله، لا يعلم كيف حلت عليه نسماته تلك الناعسة الندية..وهنا أطلق بصره يتجول قليلا ليأخذ فكرة عن طبيعة هذا المكان النائي الذي وصلّ إليه، فإذا به أمام أبنية ضخمة شاهرة تحيط بها الصحراء من كل مكان، وعلي أبوابها تقف ترسانات مدججة بالسلاح لجنود وضباط بدو وكأنهم يتأهبون لنزال..
لم يجد في نفسه قلقا أو ذعرا مما رأي، ولم يخشي أن يراه أحد هؤلاء الجنود فيتهمه بمحاولة التسلل أو التلصص علي تلك الأبنية التي يفرغون جهدهم في القبض علي مفاصلها ومحاصرة من يقبعون قهرا داخلها..، بل أنِس إلي فكرة المغامرة التي ربما تنسيه شيئا من همومه؛ إذ وجد في نفسه رغبة في التعرف أكثر علي هذا المكان الذي قادته إليه قدمان تائهتان علي غير هدي؛ فإذا به أمام هذا الذي أثار فضوله وأخرج تفكيره ولو مؤقتا عما اعتاد أن ينغلق عليه من زحام الحياة وأكدارها..
أطرق سمعه قليلا ليتأكد أن هذا الصوت الفرح المرح ينبعث من الداخل، واستطاع بالفعل أن يتعرف علي ملامح ما يمكن أن يُسمي احتفال لما تتكاثر فيه من عبارات التهنئة والمباركة، ورغم تعجبه أن يحوي هذا المكان أناسا سعداء، إلا أن دهشته كانت أكبر عندما أدرك أن سبب تلك التهنئات والابتسامات -التي يظهر أثرها كالأضواء الساطعة تنير السماء كنجوم تتلألأ- هو إتمام أحد الشباب بالداخل حفظ كتاب الله الكريم، وقد أخذ هذا الشاب من فوره يتلو بعضا مما حفظ؛ فكان لصوته من النداوة والطلاوة ما يهديء من هياج أشد الأمواج الهادرة، ويطفيء النيران المستعرة في البراكين الفوّارة، ويلين قساوة وصلابة أعتي الأحجار..
سرت في روحه طمأنينة شملت أرجائه المضطربة كلها؛ وتنفس مليء صدره كما لم يحدث له منذ فترة طويلة. كان الترتيل يصيب حنايا صدره الغائرة فيردها صحيحة معافاة بريئة من كل علة أو مرض..
حدثته نفسه أن ما ساقه إلي هذا المكان إلا قدرا أراد أن يخرج به من ضيق ما كان عليه من حال إلي سعة وأفق مترام تذوب في فضائه أشد الهموم..فلبث يستمع ويستمع..ثم مكث علي مقربة من الأسوار المرتفعة يبحث عن صوت ترتيل آخر بعدما هدأ ما كان ينصت إليه من صوت..فاستطاع بعد خبرة بسيطة حول المكان أن يعرف موضع غرف يبدو أنها لا تسع لأكثر من فرد واحد، لكن أصحابها يملأونها بعذب وجميل ما يقرأونه من آي الذكر الحكيم، فيحيلون ضيقها وسعا، وظلامها أنوارا وأقمارا ساطعة..، وما أن تنتهي تلاوة إلا و سرعان ما تظهر غيرها، فيسعي خلفها ضارعا متيما، حتي بدت له الحياة خلف تلك الجدران المرتفعة حياة لا تنفصم عن تلك الآيات ولا تتجاوزها قيد أنملة، فكأنها فراغ تام إلا من تلك الصحبة التي لها من الأنس والدفء والمودة ما ليس لغيرها من أحب الأقران..

انتابت نفسه حسرة شديدة فقد أدرك كم أضاع من وقته وعمره كثيرا دون أن ينتبه إلي هذا الكتاب الكريم الذي تتراكم عليه الأتربة في بيته، ويزين واحد منه غرفة الاستقبال الرئيسة بالمنزل وهو في أزهي وأرقي غطاء مصنوع من الصدف والخشب المُعَشَّق، إلا أنه لم يكن يعلم أن حلول كافة مشكلاته وسكن جميع آهاته وأوجاعه إنما هو كامن بين أسطر هذا الكتاب وبين ضفتيه لا في جميل العُلبة أو زينة الأخشاب..لم يأسر سمعه فقط عبر الجدران جزيل ألفاظ وعذب إيقاع يصيب موضعا في القلب مباشرة ودنما استئذان؛ وإنما الأمر تجاوز ذلك إلي الإجابة علي أسئلة حياته الحائرة، وإلي الإشارة الواضحة إلي سبل النجاة ومراسي القرار..


همّ عائدا علي إثره وقد بدا كمن يغبط القابعين خلف الجدران العالية علي تلك الصحبة الطيبة التي يتنعمون فيها مع هذا الكتاب فوجدوا بذلك اليد التي تربت علي أكتافهم المثقلة، وتجبر خاطرا كادت المِحن أن تكسره…
شعر في طريقه بشوق عارم..فبادر من فوره وأخذ يرتل شيئا مما استطاع أن يسترجعه من ذاكرة الصِغر، يفعل ذلك مقتديا بمن رآي بعينه أنه لا يوجد ما يحول بينهم وبين تلك التلاوة حيث تصحبهم علي كل وضع، ويعجز من يحتجزهم ويُسقط في يده أن ينال منهم عبر التعذيب بالإنفراد أو الوحدة؛ فهم علي كل حال مؤتنسون لهم نصيب من صحبة الصديق والسند..
انتوي من ساعته أن يتخذ مما يقرأ منهجا يسير به في الحياة، فلا تمر عليه آية إلا ويبذل جهده في تطبيقها والعمل بها، وقد بدأ هذا النهج من فوره؛ فقرر أن يعتذر إلي حارس العقار علي سوء معاملته له في الفترة الماضية، وخاصة في الصباح عندما تجاهل نداءه ومرّ وكأنه لم يسمعه..فرح الحارس كثيرا بطيب أخلاق الرجل وتبدل حاله، ثم أكد له أنه ما أراد في الصباح سوي إخباره بأنه وجد مبلغا من المال كان قد أفلت من بين يديه أمس وهو يصعد الدرج..!
أخذ الرجل المال، وهو لا يكاد يصدق أن تلك الآيات التي شرع في تلاوتها وتطبيقها كان لها هذا الأثر الطيب السريع في حياته..!
اعتاد بعد ذلك أن يختلس بعض الأوقات ويذهب إلي حيث القابعين خلف الجدران العالية، يستمع إلي جميل ترتيلهم. ولكم كان يأمل أن يشد علي أياديهم جميعا ويشكر لهم جميل صنعهم معه؛ حينما وضعوا أمام عينيه البوصلة المُبينة لهذا الذي كان من قبل زائغا مختلطا بين عينيه..وكم كان يتعجب أن مثلهم يقبع قهرا خلف الأسوار، وكأن سائقين يتكسبون من المتاهات والدروب الملتفة يخشون اكتشاف السبيل المستقيم ومعه وفرة الجهد والوسع والمال حتي بلوغ الهدف..