المسلمون.. حياتهم كلها هجرة

تطلع علينا شمس أول محرم، ويوم يهيب بالمسلمين: «يا ابن آدم: أنا خلق جديد، وعلى عملك شهيد، فاغتنمني فإني لا أعود إلى يوم القيامة»؛

فماذا أعددنا لعامنا الجديد بعد هذا النداء الصادق من ناصح مخلص وفي؟

لم تكن هجرة المصطفى صلوات الله وسلامه عليه نتيجة لفساد المجتمع الذي قامت دعوة الإسلام فيه، فالدعوة الإلهية على لسان نبي مرسل لا تكون إلا لمجتمع فسدت أوضاعه، وتضاعفت شروره، رغبة في إصلاحه، وإقامة معالم كل خير فيه، حتى يستقيم حاله، ويسعد أهله وبنوه، فإن لم تكن هذه هي الغاية المقصودة لما كان هناك للرسل والأنبياء برسالاتهم ودعواتهم من مبرر ولا داع.

تتعدد الآلهة عندهم فتطالبهم دعوة الإسلام بعبادة الواحد الديان، ويشيع الظلم فيأمرهم ربهم على لسان رسوله بعدم التظالم وإشاعة الحرية وبسط المساواة .. ويتعالى البعض على البعض مغترين بالجاه والمال والمكانة، فيحذرهم رسولهم عن التنابذ بالألقاب ويبين لهم أنه لا تفاضل إلا بالعمل الطيب ..

ويقدم الإنسان الخير لأخيه الإنسان بعيدًا عن الاستغلال والاستعباد، فالداعية لا يقوم إذن بدعوته إلا في وسط ساده العسف والفساد.. فكيف إذن يجوز للداعية أن يهجر موطنه لفساده وسوء حاله، بل الصبر على تأدية الرسالة حتى تؤتي ثمارها مهما قامت في طريقه العقبات وانهالت عليه الويلات وتنكر له أولئك الذين جاء لهدايتهم وإشاعة كل صور التعاون والحب والتكافل بينهم ..

فهل يسوغ لنا بعد ذلك أن نهجر موطننا لما شاع فيه من شر وسوء؟

لا أظن…

ولقد كان من أسباب الهجرة اشتداد الأذى بالداعية وبالمؤمنين به، وضيق مكة بالدعوة فلابد لهم من موطن يبلغون فيه ومنه ما كلفوا به من رب العالمين.

ولزامًا أن نراعي هذا المعنى تمامًا مفرقين بين فساد المجتمع وبين الإمعان في الأذى الذي يلحق الداعية ومن معه من المؤمنين الذين آمنوا بدعوته.

الدعاة والمجتمعات

إن الهجرة إذا تمت .. لا تكون لينعزل الداعية ومن معه عن المجتمع الذي ارتحلوا إليه ثم حلوا فيه مستطيعين فيه أن يؤدوا واجبهم وهم على شيء من الأمن والاطمئنان، على المهاجر أن يعلم علم اليقين “اقتداء برسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنه هاجر ليواصل العمل وليبلغ الرسالة.

وإلا فما بلغ رسالة ..

أليس هذا أمر الله لرسوله عليه الصلاة والسلام، ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: 67]، فأي مسلم بعد هذا الأمر الواضح الصريح يبتعد عن تبليغ دعوته .. خاصة إذا أتاح الله له من الظروف ما يستطيع معه أن يبلغ الرسالة على أي صورة من الصور؟

والهجرة كما يدل اللفظ: انتقال من حال إلى حال ومن مكان إلى مكان، فهي بهذه المثابة حركة، والحركة عنصر من عناصر الدعوة الإسلامية لا تتم إلا به، فإذا كانت الهجرة حركة، فهي ليست فرارًا بمعنى كلمات الفرار .. بل هي عمل .. والإسلام قول وعمل لا ينفصل فيه أحدهما عن الآخر .. فمن لم يقل كلمة الشهادتين فلن يقبل منه صرفًا ولا عدلا، ومن قال بغير عمل فما ذلك بالإسلام لأنه ما وقر في الصدر وصدقه العمل.

لم تكن الهجرة على التحقيق فرارًا ولا هزيمة ولا قعودًا عن الإرشاد إلى الله ودينه، إنما كانت الهجرة قيام دولة سادت الدنيا بأسرها وانتشار دعوة شملت الكون كله واتساع حركة ماج بها الوجود .. حياة وحضارة وعزة ورفعة وعلو شأن.

الهجرة وليدة تفكير طال به العهد وأعدت له العدة، ونظمت له الطرق .. ولم تكن فرارًا من شقاء إلى نعيم، ولم تكن ترك جهد إخلادًا لراحة .. لم تكن سببًا من ذلك على الإطلاق ..

بل إن جهود المسلمين بعد الهجرة تضاعفت ومسئولياتهم كبرت واتسعت وعلموا أنهم دعاة الناس جميعًا إلى الهدى والرشاد، إن الهجرة لجوء إلى كل حركة تخدم الدعوة، وهجرة من أسلوب إلى أسلوب ومن خطة إلى خطة .. وتفتيح لمسالك التحرك المثمر .. فالداعية الواعي إذا تعثرت به خطة لجأ إلى غيرها سعيًا إلى الله وحرصًا على رضاه واستجلابًا للنتائج الطيبة، هذا مع الالتزام الكامل بأصول دعوته وفروعها .. غير مبدل بحجة التطور ولا مغير بحجة التجديد فما في هذا الدين من قصور يصلحه التطور، وليس فيه ما يبلى فيحتاج إلى تجديد.

الإسلام أصول وفروع وكلها واجبة الالتزام والاتباع .. أما محاولة النيل من العقيدة بحجة المحافظة على الأصول والتغيير في الفروع فهذا لا يكون في الإسلام أبدًا، لأنه من يوم أن نزل إلى هذه الأرض فهو صالح للناس جميعًا على مختلف أوضاعهم وصفاتهم ولهجاتهم وأجناسهم، لأن محمدًا رسول الله ×، رسول الله إلى الناس جميعًا.

ويوم أن هتف بدعوته في قلب الجزيرة العربية لم يناد بها العرب أو العجم ولكنه خاطب بها كل إنسان على وجه الأرض، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: 158].

بين العزة والهوان

وكما أن الإسلام جاء ليصلح القرون الأولى .. فقد جاء ليصلح القرون كلها حتى تقوم الساعة، فالقول بأنه ما عاد يصلح لزماننا هذا، هو غباء في العقول، وضلال في متاهات لا أول لها ولا آخر.
إن الهجرة درس وعاه أسلافنا الأمجاد كما وعوا كل الدروس فسادوا وعزوا وقادوا الدنيا ولم يقادوا، ولم نهن على الناس إلا يوم أن ضللنا عن هذا الدرس وغيره من دروس النبوة، فتناوشنا الأعداء، وتطاول علينا حتى من لا يستطيع الدفع عن نفسه.

فعلينا باستظهار الدرس والدروس بعيدين عن الطنطنة الفارغة والحماس في دنيا الأقوال، فإن الأشد إسراعًا إلى القتال هو أقلهم حياء من الفرار.

وعلى الشباب ألا يدع الهجرة أو أي درس من دروس النبوة يمر به ساهيًا ساهمًا، مفرطًا مضيعًا .. بل لينتهز شبابه قبل أن يعمر فينتكس في الخلق، وليستعن بحيويته على دفع دماء الدعوة النقية الطاهرة في شرايين المجتمع الذي يعيش فيه ليسمو به فوق الضياع والتمزق ويتجه به إلى النصر الصحيح والعزة والكرامة ويمسح من صفحات تاريخه كل بقعة سوداء لوثها بها كل عدو غاصب أو دخيل.

إن الطريق رسمه الإسلام وحدد معالمه .. والهجرة درس على الطريق وما أكثر الدروس .. وشبابنا مطمع الآمال فليمضوا في الطريق مجاهدين ومثابرين رافعين لواء الدعوة عاليًا خفاقًا عزيز الجانب منيع الرحاب.. وليقووا سواعدهم ويرسخوا إيمانهم تخضع الدنيا لهم وليعملوا منتظرين النصر من الله، ﴿إِن تَنْصُرُوا اللهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7].

إن الهجرة مادية كانت أو معنوية تأتي بالخير والفتح المبين، ﴿وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللهِ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء: 100].

ملفات للتحميل