بقلم : خميس النقيب

السفهاء في كل وقت يهيمون، ومع كل تيار يسيحون ، ولكل وجهة يتحهون، وفي كل عرض يخوضون ، في تحويل القبلة ظهرت الاوراق وانكشفت الابواق فظهر الغث من الثمين، والصالح من الطالح والصادق من الكاذب و الخبيث من الطيب والمؤمن من الكافر …!! كيف؟

لما تحولت القبلة تحركت القلوب المريضة ، وانطلقت الالسنة المتسلطة ،وانتشرت الاشاعات الهدامة ، وما اكثر الالسنة المتسلطة والمتطاولة بعد التحولات ومع كل التقلبات وفي كل الديانات. ، السفهاء هم السفهاء والضعفاء هم الضعفاء اعلام رخيص، و اجرام خسيس ونظام خبيث ، انه حقد دفين ، وسفه مشين يبقي الي يوم الدين ..!!

كيف ؟ ” سيقول السفهاء ” الاستمرارية والبقاء ..!! طالما هناك صراع بين الحق والباطل، في كل زمن وفي اي مكان ومع كل فئة ..!! كل فريق تحدده اقواله وتبينه مواقفه و افعاله، وهذا الكشف الي يوم الدين مع كل شدة وفي كل حدث يستبين للعيان كل معسكر من ابواقه كيف يسير والي اين يتجه ..!!

اوراق المؤمنين  : كان المناخ في المدينة مهيّأً لإجراء الاختبار الكاشف لأوراق كل فريق، وجاء الأمر بتحويل القبلة ليعلن بدء الاختبار فعليًّا؛ قال تعالى: {لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ} [البقرة: 143]. وبدأ كل فريق في كشف أوراقه.. كانت البداية من المؤمنين المخلصين الذين صبروا مع رسول الله ، وثبتوا أمام كل ما مضى من محن الإيذاء، والتكذيب والتعذيب، والتضحية والفداء بالجاه والمال ، بل والتضحية بالأهل والوطن، وهؤلاء لم يكن الاختبار الجديد عسيرًا عليهم بل محبب الي نفوسهم؛ لذا فإنهم -كشأنهم منذ أسلموا- سلموا لأمر الله عز وجل، ونفذوه موقنين أنه الحق، فصلوا مع رسول الله العصر -وهي أول صلاة يصليها متوجهًا إلى الكعبة

ثم داوموا على القبلة الجديدة، ثابتين على عقيدتهم. بل كان من هؤلاء المؤمنين الصادقين من ضرب المثل في التصديق والاتّباع، مع الأخذ في الاعتبار أن الأمر جاء فجأةً، ودون تمهيد مسبق؛ فلم تؤثر فيهم المفاجأة، ولم يصدمهم الحدث، وهم بنو حارثة الذين وصلهم الخبر وهم يصلون عصر نفس اليوم؛ إذ مر أحد المسلمين الذين صلَّوا مع رسول الله ، فوجدهم يصلون إلى بيت المقدس، فقال: “إن رسول الله قد أُنزِل عليه الليلةَ قرآنٌ، وقد أُمِرَ أن يستقبل الكعبة، فاستقبلوها، وكانت وجوههم إلى الشام؛ فاستداروا إلى الكعبة” فسمِّي مسجدهم من يومها (مسجد القبلتَيْن). وكان عندهم سرعة في الاستجابة وهكذا يكون حال المؤمن سمعنا وأطعنا كل من عند ربنا ، ليس عنده وقت للجدال وتضييع الوقت كالمنافقين والمداهنين الذين يزورون الاوراق ويغشون الاسواق ويمسحون الابواق طمعا في مال او منصب اوجاه ..!! ، لكن المؤمن يبحث دائما عن ميدان العمل وليس عنده وقت يضيعه في الجدال او قيل وقال، طالما الامر من الله فان المؤمنين لا يملكون الا ان يقولو ” سمعنا واطعنا غفرانك ربنا واليك المصير “

اوراق المنافقين  : قلق المنافقون من مصير من مات من المسلمين قبل تحويل القبلة، هل تُقبل صلاتهم أم لا؟ كما تساءلوا عن جزاء صلاتهم السابقة نحو بيت المقدس، وكأنهم ظنوا أن الصلاة إلى القبلة السابقة كانت اجتهادًا من رسول الله بغير وحي من الله؛ لذا لن يُثابوا عليه بل قد يعاقبون. وهذه الفئة تظهر دائمًا في المجتمع المسلم وقت المحن، عندما تزيغ الأبصار، وتبلغ القلوب الحناجر؛ فيبدأ هؤلاء في التشكُّك والظن في الثوابت، نفس الالسئلة وذات البلبلة ..!! بماذا نبدأ ؟! بالعصا ام بالجزرة ، بالتورتة ام بالشوربة ، بالصلاة ام بالدفنة ..!! جرائد صفراء واقلام حمقاء وقنوات جرداء ، وقلوب سوداء سوداء ..!!

لم يتعودوا علي الصراحة، لم تعودوا علي الصدق، لم يتعودوا علي النزاهة فعادوا يشككون ويترددون ويبلبلون ..!!

اوراق قريش  : أما قريش التي كانت متربصة بالمسلمين، فقد قالت: رجع محمد إلى قبلتنا وسيرجع إلى ديننا كله. ولكن الله سبحانه وتعالى ردَّ عليهم: {وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [البقرة: 150]. فنعتهم الله عز وجل بالظلم؛ ليكشف مكنون قلوبهم. وانكشف باطن الكافرين، ومُحِّص المذبذبون، ومَرَّ الاختبار بعد أن تعلم منه المسلمون واستفادوا ما ينبغي لنا الاستفادة به؛ من أهمية اليقين والتسليم لأمر الله عز وجل، والانقياد لأوامره، وأهمية الثبات أمام الشبهات التي يلقيها أعداء الأمة دون انقطاع، وعدم التأثر بها، بل الرد عليها؛ لنحمي ضعاف الإيمان من التأثر بها. اوراق وابواق اليهود  : ما اليهود، فهؤلاء الذين كانوا فرحين مبتهجين عندما اتخذ الرسول بيت المقدس قبلة عقب الهجرة؛ لأنها قبلتهم، فظنوا أن الرسول سيتبعهم في دينهم بعد فترة، فلما جاء الأمر بتحويل القبلة أصيبوا بالإحباط واليأس من غرضهم؛ فأطلقوا لسانهم ليشككوا المسلمين في دينهم، قائلين: {مَا وَلاَّهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا} [البقرة: 142]. فجاء الرد الإلهي {قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [البقرة: 142]، وأنزل {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ} [البقرة: 177]. يقول الإمام ابن كثير رحمه الله: “أي الشأن كله في امتثال أوامر الله، فحيثما وجَّهنا توجهنا، فالطاعة في امتثال أمره، ولو وجهنا في كل يومٍ مراتٍ إلى جهات متعددة؛ فنحن عبيده وفي تصريفه وخُدَّامُ

ضعاف الإيمان كما فُتن إخوانهم في حادث الإسراء والمعراج .. وإن المتأمل لآيات تحويل القبلة؛ وهي ترد شبهات اليهود؛ يتبين له مدى ضراوة الحرب الإعلامية والفكرية التي شنها اليهود، لكنهم خابوا وخسروا ، وهكذا خاب وخسر من جرى يلهث في عصرنا خلف اليهود . وخاب وخسر من تمسح باليهود في تطبيع . وأنهم لن يرضوا أبدا عن المسلمين إلا بأن يتبعوهم ويكونوا مثلهم، قال الله تعالى: ” و لَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى .

الله يكذب الادعاءات التي حاكها السفهاء ، ويفند هذه الاشاعات اطلقها المرضي البلهاء في مطلع الجزء الثاني ” سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا قُل لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ*

رد قاطع لا مراء فيه وبيان ساطع لا لبس معه ولا جدال فيه ” قُل لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ” ( البقرة )142 له كل الامكنة ، وله كل الاتجاهات ، هو الذي يقرر ، وهو الذي يوجه ، وهو الذي يهدي ، والخير في طاعته ،والفلاح في هدايته ” يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ ” (البقرة 14 …”ولِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللّهِ إِنَّ اللّهَ وَاسِعٌ عَلِيم ” البقرة

هكذا كانت القبلة .. كاشفة ومجمعة .. القبلة … الكعبة.. وما أدراكم ما الكعبة، مكان الأمن والأمان، مشعل النور والإيمان، مهوى القلوب، ومطهر الذنوب ومسكب العبرات، ومنبت الرسالات، مكان وُلد فيه المصطفى صلى الله عليه وسلم، درجت عليه قدماه، وبدا فيه مسعاه، واستقبل فيه وحي الله، اختار الله لأولياءه وأصفياءه، خير مكان، واصطفى لهم خير قبلة، وأنزل عليهم خير كتاب، وأرسل إليهم خير رسول، فكانوا خير أمة أُخرجت للناس.. (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (110)) (آل عمران

لذلك فان النبي صلى الله عليه وسلم يخرج من مكة مهاجرًا إلى المدينة، فيلتفت إلى الكعبة، ويلقن الأمة درسًا في الحبِّ والوطنية..! الوطنية المجمعة لا المفرقة، الوطنية الموحدة لا المشتتة، الوطنية المحببة لا المبغضة، الوطنية البناءة لا الهدامة..! أخبر أبا سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أن عبد الله بن عدي بن الحمراء قال له: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على ناقته واقف بالحزورة يقول: “والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى والله، ولولا أني أُخرجتُ منك ما خرجت” (قال الشيخ الألباني: صحيح) هل نعيش الوطنية الحقة ونمنح انفسنا حب الاوطان مع عباد الرحمن بعيدا عن اعوان الشيطان .؟! اللهم احفظ البلادمن كل شر واهدي العباد الي كل خير …

الخميس, 4 يونيو 2015

المصدر

ملفات للتحميل