حراسة القلوب
أخي الحبيب: اعلم أن القلوب قانونها التغير، وطبيعتها التقلب، وقد اتخذت اسمها من طبيعة التقلب فيها، فهي أسرع تقلباً، من جزيئات الماء في الإناء، في حالة الغليان، إذ تتحرك بسرعة في كل اتجاه صعوداً وهبوطاً، ويميناً وشمالاً، ويتغير مكانها من لحظة لأخري، والقلوب كذلك لا تستقر علي وتيرة واحدة، ولا تستمر علي نسق واحد، فدوام القلوب علي حال هو أمر محال.
واعلم أخي الحبيب أن القلب يمكن أن يتحول من النقيض إلي النقيض، فقد يتحول من الكفر إلي الإيمان، ومن الشك إلي اليقين، ومن القنوط إلي الأمل، ومن الحيرة إلي الطمأنينة، ومن الخوف إلي السكينة، ويمكن أن يحدث العكس تماماً؛ فيغزوه الكفر بعد الإيمان، ويعتريه الشك بعد اليقين، ويسيطر عليه اليأس بعد الأمل، وتداخله الحيرة بعد الطمأنينة، ويملأه الخوف بعد السكينة.
ولذلك يا أخي فإن الاستقامة علي الهدي ليست عصمة دائمة، وليست صكاً بالغفران، ولا شيكاً موقعاً علي بياض، ولا ضماناً بالجنة، فالمؤمن لا يركن إلي إيمانه فربما يداخله شك، والكافر لا ييأس من كفره فربما تدخله الهداية، والطائع لا يثق بطاعته فقد تخفي خلفها معصية قادمة، والعاصي لا يقنط من حاله فربما تنقله التوبة الصادقة نقلة بعيدة يسبق بها الكثيرين ممن ساروا في طريق الهداية قبله بزمن طويل.
ولذلك أيها الحبيب كان أهل الطاعة دوماً علي خوف ووجل من أمرين: أن يرد عليهم عملهم، أو يتغير حالهم، وتأمل معي قول الله تعالي: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آَتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾(المؤمنون: 57 – 61) قال الإمام ابن كثير رحمه الله: “أَيْ: هُمْ مَعَ إِحْسَانِهِمْ وَإِيمَانِهِمْ وَعَمَلِهِمُ الصَّالِحِ، مُشْفِقُونَ مِنَ اللَّهِ خَائِفُونَ مِنْهُ، وَجِلُونَ مِنْ مَكْرِهِ بِهِمْ، كَمَا قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: إِنَّ الْمُؤْمِنَ جَمَعَ إِحْسَانًا وَشَفَقَةً، وَإِنَّ الْمُنَافِقَ جَمَعَ إِسَاءَةً وَأَمْنًا… وَقَوْلُهُ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ أَيْ: يُعْطُونَ الْعَطَاءَ وَهُمْ خَائِفُونَ أَلَّا يُتَقَبَّلَ مِنْهُمْ، لِخَوْفِهِمْ أَنْ يَكُونُوا قَدْ قَصَّرُوا فِي الْقِيَامِ بِشُرُوطِ الْإِعَطَاءِ. وَهَذَا مِنْ بَابِ الْإِشْفَاقِ وَالِاحْتِيَاطِ”(تفسير القرآن العظيم، بتصرف).
أخي الحبيب:لقد كان الرسول صلي الله عليه وسلم وهو المعصوم يخاف من تغير القلوب، ويكثر من الدعاء أن يثبت الله قلبه علي الإيمان وأن يصرفه إلي الطاعة. فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكْثِرُ أَنْ يَقُولَ: «اللَّهُمَّ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ»، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تَخَافُ عَلَيْنَا وَقَدْ آمَنَّا بِكَ، وَصَدَّقْنَاكَ بِمَا جِئْتَ بِهِ، فَقَالَ: «إِنَّ الْقُلُوبَ بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ عَزَّ وَجَلَّ يُقَلِّبُهَا»(رواه ابن ماجة وصححه الألباني). وعن عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «إِنَّ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ، كَقَلْبٍ وَاحِدٍ، يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ» ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اللهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ»(رواه مسلم). وعن النَّوَّاسَ بْنَ سَمْعَانٍ الْكِلَابِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَا مِنْ قَلْبٍ إِلَّا بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ إِنْ شَاءَ أَقَامَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَزَاغَهُ» وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكِ، وَالْمِيزَانُ بِيَدِ الرَّحْمَنِ، يَرْفَعُ أَقْوَامًا، وَيَخْفِضُ آخَرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»(رواه الحاكم وقال: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ).
أخي الحبيب: من هنا كانت حراسة القلوب مهمة عظيمة، للفرد مع نفسه، وللمربي مع إخوانه، يحرسها لا ليمنع تقلبها، فليس ذلك ممكناً، ولكن ليكون تقلبها كله في دائرة الخير، ويحرسها ليكون تذبذبها عند قمة سامقة لا تنزل عنها، ويحرسها من دبيب الأمراض الخفية من عجب ورياء، وكبر وبطر، وحقد وحسد، وضغينة وبغضاء، وحرص وشح، وهوي وعصبية، وغير ذلك، ويحرسها من نمو المشاعر السلبية، من خوف وجزع، وضيق وضجر، وتوجس وتردد، ويأس وقنوط، وملل وإحباط، وضعف ووهن، وغير ذلك. كما يحرسها من وساوس الشيطان، ومن دبيب الشهوة الحرام.
أخي الحبيب: تذكر أن مسئولية الفرد عن حراسة قلبه هي الأساس؛ ومسئولية المربي عن حراسة قلوب إخوانه في غاية الأهمية، لكنها مكملة ومعاونة ومساندة، فالحساب يوم القيامة فردي، والإنسان مسئول برأسه عن أعماله ﴿وَكُلُّهُمْ آَتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا(مريم: 95) ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾(الإسراء: 13 – 14)، كما أنه أدري الخلق بمكنونات قلبه، أما الناس ومنهم المربي؛ فلا يعلمون إلا ما يبديه لهم، فيعاملونه علي الظاهر، وسريرته إلي الله، ومن هنا عظمت مسئولية الإنسان عن حراسة قلبه، فهو أعلم بما ينطوي عليه من رغائب، وما يختلج فيه من مشاعر، وما يعتريه من تغير.
أخي الحبيب: القلب وعاء الإيمان، وبيت العقيدة، ومستقر اليقين، ومصدر القوة، وبصلاحه تصلح الجوارح، عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ , صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَإِذَا فَسَدَتْ, فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ, أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ»(رواه البخاري ومسلم) ومن وسائل حراسة القلوب البعد عن الشبهات: عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ الْحَلَالَ بَيِّنٌ، وَإِنَّ الْحَرَامَ بَيِّنٌ، وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ، وَعِرْضِهِ، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ وَقَعَ فِي الْحَرَامِ، كَالرَّاعِي يَرْعَى حَوْلَ الْحِمَى، يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيهِ، أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمًى، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ، صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ، فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» (رواه البخاري ومسلم وهذا لفظ مسلم).
أخي الحبيب: من وسائل حراسة القلوب أيضاً إحسان الظن، وترك الغيبة والنميمة، والبعد عن الانخراط في الفتنة، وعدم الاستجابة لداعي الفرقة والخلاف، وترك المراء والجدل، وترك فضول الكلام فيما لا ينبني عليه عمل، والانشغال بإصلاح عيوب النفس، وعدم تتبع عثرات الآخرين، واستثمار الأوقات في كل نافع ومفيد، والبعد عن الانفراد بالنفس في غير ذكر أو عبادة أو استذكار علم، فإن ذلك يؤدي إلي الاستغراق في الأفكار السلبية، والمشاعر السلبية. وأعظم وسيلة هي الاستعانة بالله تعالي والتعلق به، ودعائه أن يحفظ قلوبنا وقلوب إخواننا،﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آَمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾(الحشر: من الآية10).
واجبات عملية:
ناقش مع إخوانك كيف يحرس المؤمن قلبه، ودوره في حراسة قلوب المخالطين له.
ناقش مع إخوانك دور المربي في حراسة قلوب إخوانه.
بادر إلي العلاج عندما تشعر تغيراً في قلبك.
استعن علي نفسك بمن تتوسم فيه الصلاح من إخوانك.
قدم الدعم والعون برفق لمن تلاحظ عليه تغيراً في أحواله.