رمضان بين الحرية والاعتصام

أشواق:                 

كلما اقترب شهر رمضان كلما ازداد الشوق إليه، وانتظره المسلمون بفارغ الصبر، وازدادت لهفتهم لاستقباله ضيفاً عزيزاً كريماً محبوباً؛ يسعد بقدومه الجميع كباراً وصغاراً، شيباً وشباناً، رجالاً ونساءً،حتي من تعودوا التقصير في الطاعة والعبادة يسعدون بقدومه، لما يضفيه  من جو  روحي، وسلام نفسي، ووئام اجتماعي، ولما فيه من نسمات تبرد  من حر التهارش علي الدنيا، وتلطف من حدة الصراع علي القوت، وتخفف من الغلو  في شعور الناس بذواتهم ونسيانهم لمن حولهم، فيغدوا  المجتمع أقوي تماسكاً وترابطاً، وأكثر تراحماً وتعاطفاً، ويشعر الجميع بإنسانيتهم علي نحو أفضل.

رحمات: 

هذا الشوق  إلي شهر رمضان له ما يبرره؛ إنه شوق إلي الرحمات التي يعتقد المسلم أنها نازلة بفضل الله تعالي الذي يحب الخير لعباده، وييسره لهم، ويثيبهم عليه ثواباً لا يخطر ببالهم، فصحاحب العبادة والمجاهدة يرجو أن تصيبه نفحة تقيمه علي الطريق حتي يلقي الأحبة محمداً وصحبه، والمقصر يرجو أن تصيبه نفحة تجبر تقصيره وتقوي عزمه، وتعينه علي استدراك ما فاته، والعاصي يرجو أن تصيبه نفحة تقيل عثرته، وتمحو زلته، ويثبت الله بها توبته، وكأن هذا الشوق هو أول خطوة في الترجمة العملية لوصية النبي صلي الله عليه وسلم لنا بالتعرض لرحمات الله. عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ  رضي الله عنه  قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ  صلى الله عليه وسلم: «تَعَرَّضُوا لِنَفَحَاتِ رَحْمَةِ اللهِ، فَإِنَّ لِلهِ نَفَحَاتٍ مِنْ رَحْمَتِهِ, يُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ»(رواه الطبراني وصححه الألباني).

مفارقات:

الجميع ينتظر رمضان، ينتظره الأغنياء كي ينفقوا رغبة في مضاعفة الأجر، وينتظره الفقراء رغبة في مزيد من رحمة المجتمع وبره، وينتظره الصغار رغبة في مزيد من سماحة الكبار وسخاء نفوسهم، وينتظره التجار رغبة في مزيد من البيع والربح، وينتظره العُبّاد رغبة في التنافس علي درجات الجنة، وينتظره الدعاة رغبة في زيادة إقبال الناس عليهم وانتفاعهم بالموعظة، وانفتاح القلوب في جو رمضان، بل إن الجمادات لتنتظر قدوم رمضان، فتنتظره المساجد كي تكتظ بالمصلين وتضج بحلقات الذكر والقرآن، وتنتظره الشوارع كي تتزين، وتلبس حلتها الخاصة التي لا تلبسها إلا في رمضان، وتضفي جواً مختلفاً، يشعر الناس معه بالسكينة والسعادة والتغيير. أما الفارغون وأهل المعصية  فينتظرونه لتجديد طريقتهم في اللهو والمجون، وصدق رسول الله صلي الله عليه وسلم: «كُلُّ النَّاسِ يَغْدُو  فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعْتِقُهَا , أَوْ مُوبِقُهَا»(رواه مسلم).

استعدادات:

الكل يستعد لقدوم شهر رمضان بطريقته؛ حسب غايته منه؛ فمن كانت غايته التجارة يستعد بتجهيز البضائع التي يحتاجها الناس في رمضان، ويظن أنها تجلب له أكبر الربح؛ ومن كانت غايته اغتنام جو رمضان في دعوة الناس إلي الخير، وتوعيتهم بما ينفعهم في معاشهم ومعادهم؛ فإنه يتجهز بما يتطلبه ذلك من وسائل وأدوات، ومن كانت غايته تخدير الناس وإفساد صومهم فإنه يستعد لذلك بتجهيز ما يلزم من أفلام ومسلسلات وفوازيز وما شابه ذلك، ومن كانت غايته من رمضان تغيير نفسه للأفضل فإنه  يستعد لذلك بتفريغ قلبه للطاعة والعبادة، وتدريب نفسه علي التقرب إلي الله قبل قدوم رمضان بوقت طويل:﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾(البقرة: من الآية 148).

حرية:

رمضان ليس شهر الحرية فحسب، ولكنه مدرسة الحرية؛ التي تربي الضمائر الحرة، والعقول الحرة، ويتكون في ظلالها القلب التقي المشحون بالإيمان العملي الإيجابي الفاعل الذي يدفع صاحبه للحركة والانطلاق بمقتضي هذا الإيمان، ويتكون في ربوعها النفوس المشحونة بالأمل،المتحررة من ضغوط الواقع وإحباطاته؛ فليس هناك صعب أو مستحيل، وليس هناك ما يبرر القعود والهمود، وليس هناك مجال لليأس والقنوط، وليس هناك مكان للشح والبخل والكزازة.

نعم رمضان مدرسة الحرية التي يتكون في جنباتها تلك المشاعر الحرة التي تقدس حق الإنسان في الحياة،  بل حقه في الحياة الحرة الكريمة، التي تليق بإنسانيته وتكريم الله له، المشاعر التي لا تميز بين الناس في هذه الحقوق علي أي نزعات عنصرية أو بواعث قبلية، أو دوافع جاهلية، المشاعر التي تتألم لقتل الأبرياء من أي جنس أو دين، وتتألم لمن يموتون جوعاً في أي بقعة علي وجه الأرض بغض النظر عن لون بشرتهم، وتتألم لمن يتعرضون للسجن أو التشريد ظلماً مهما كانت أيديولوجياتهم وتوجهاتهم السياسية، وتتألم للعدوان علي الحقيقة وتزييفها كائناً من كان الذي يقوم بذلك. المشاعر الحرة التي تكره الظلم مطلقاً ولو كان الظالم من أولي القربي، وتتعاطف مع المظلوم مطلقاً مهما كان مختلفاً في الدين أو اللغة أو اللون أو المصالح.

نعم في ظل مدرسة الحرية الرمضانية تتكون المشاعر النظيفة المستقيمة الحرة التي تحب الحق والخير والفضيلة أينما كانوا، وتبغض الباطل والشر والرذيلة أينما كانوا، المشاعر التي لا تقيدها الأيديولوجيا، ولا توقفها الحدود الجغرافية، ولا تشوهها المصالح الآنية، ولا تكبتها جدران السجن، ولا تمنع تدفقها أعواد المشانق، ولا تحد من قوتها قسوة الغربة والهجرة والمطاردة، لأنها متحررة من حظوظ النفس، وضغوط الواقع، وحسابات المصالح، والنزعات العنصرية.

اعتصام:

الاعتصام بالله هو شعار عام، يجب أن يرفعه المسلم عنواناً لحياته كلها من البداية للنهاية، استجابة لأمر الله تعالي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾(الحج: 77 – 78) فهو تتويج لرسالة المسلم في الحياة، وهو في نفس الوقت عنوان لها، كما أنه الوقود الدافع للحركة الفعالة، والمرفأ الآمن والعصمة الحقيقية من الضلالات والانحرافات ومنزلقات الطريق،  وطوق النجاة من الغرق في لجة الحياة، وشهر رمضان فرصة لتربية المؤمن علي الاعتصام بربه في كل شئونه، فيركع ويسجد، ويصلي ويعبد، ويسعي ويحفد، ويجد ويجتهد، وهو مستمسك بحبل الله المتين، ومعتصم بمنهجه القويم، ومتشبث بطريق الخير ودعوة الخير.

أخي الحبيب أنت وحدك قائد اعتصامك، ومهندس تغييرك، ورائد إحيائك، فأين العزيمة القوية والنهضة الفتية؟ هلا اجتهدت لتغيير الباطل الذي غزا النفوس فأضلها، والباطل الذي غزا الأمة فأذلها؟ هلا رميت بسهمك في واقع التغيير؛ فالفضل كبير؟ هل لك من الاستدراك يا واسع الإدراك؟  هل لك في المنافسة على القمة يا عالي الهمة؟ هيا فاليوم يومك: اعتصم و تحرر وانطلق.