من المؤمنين رجال

الرجولة في الاستخدام الشعبي من الكلمات المحببة التي  تدل علي جملة من القيم الإيجابية، فهي تدل علي الشهامة، والمروءة، والنجدة، والشجاعة، والثقة بالنفس، وقوة الشخصية، وتحمل المسئولية، والقدرة علي مواجهة الشدائد، والصمود في وجه الصعاب، واحترام الكلمة، والوفاء بالوعد، والثبات علي المبدأ، والقدرة علي ضبط النفس، وكظم الغيظ، والقدرة علي مواجهة النفس ومراجعتها وتصحيح أخطائها، والاعتذار عن الخطأ، والقدرة علي اتخاذ القرار، والأنفة من قبول الظلم والضيم، أو الرضوخ للذل، أو ابتلاع الإهانة، كما تدل علي حسن الخلق في معاملة الآخرين،  ثم غيرة  الرجل علي نسائه، وحفظه لبيته وأسرته.

والإيمان يضفي علي الرجولة بعداً آخر، يرفع من شأنها، ويعلي من قيمتها، فيربط بين الثقة بالنفس، والثقة بالله تعالي ووعده ووعيده، وحكمته وقدرته، وحسن التوكل عليه، واليقين بما عنده، ويجعل الشهامة والمروءة والنجدة وإغاثة الملهوف في سبيل الله، وحسبة له وابتغاء مرضاته، لا للشهرة، ولا للسمعة، ويربط بين الثبات علي المبدأ والصمود في وجه الشدائد وبين ترقب الفرج من الله تعالي، ويربط بين حسن الخلق وبين الأجر الذي ينتظره يوم القيامة، ويحفظ أهله ويحسن إليهم ويبذل وسعه لحمايتهم وتربيتهم وإسعادهم لأنهم أمانة الله عنده.

وقد تحدث القرآن الكريم عن أحد معالم الرجولة وهي الوفاء بالعهد، والثبات علي الحق، ومناصرة المبدأ، والصمود في وجه الشدائد، والثبات في مواجهة الأعداء، وعدم الفرار من الميدان، فإما نصر كريم، أو موت شريف، فقال تعالي: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾(الأحزاب: 23). ورغم أن هذه الآية نزلت ضمن الآيات التي تتحدث عن غزوة الأحزاب وما حدث فيها من ثبات المؤمنين في وجه الزلزلة التي كشفت الغث من الثمين إلا إنها قانون عام في الرجولة، تتخطي الحادثة والزمان والمكان، وتبين مع سياقها أن الرجولة ممكنة دون الانسلاخ من الطبيعة البشرية.

يقول الأستاذ سيد قطب رحمه الله عن هؤء الرجال: “لقد كانوا ناسا من البشر، لا يملكون أن يتخلصوا من مشاعر البشر، وضعف البشر. وليس مطلوبا منهم أن يتجاوزوا حدود جنسهم البشري ولا أن يخرجوا من إطار هذا الجنس ويفقدوا خصائصه ومميزاته. كانوا ناساً من البشر يفزعون، ويضيقون بالشدة، ويزلزلون للخطر الذي يتجاوز الطاقة. ولكنهم كانوا- مع هذا- مرتبطين بالعروة الوثقى التي تشدهم إلى الله وتمنعهم من السقوط وتجدد فيهم الأمل، وتحرسهم من القنوط.. وكانوا بهذا وذاك نموذجا فريداً في تاريخ البشرية لم يعرف له نظير. وعلينا أن ندرك هذا لندرك ذلك النموذج الفريد في تاريخ العصور. علينا أن ندرك أنهم كانوا بشرا، لم يتخلوا عن طبيعة البشر، بما فيها من قوة وضعف. وأن منشأ امتيازهم أنهم بلغوا في بشريتهم هذه أعلى قمة مهيأة لبني الإنسان، في الاحتفاظ بخصائص البشر في الأرض مع الاستمساك بعروة السماء. وحين نرانا ضعفنا مرة، أو زلزلنا مرة، أو فزعنا مرة، أو ضقنا مرة بالهول والخطر والشدة والضيق.. فعلينا ألا نيأس من أنفسنا، وألا نهلع ونحسب أننا هلكنا أو أننا لم نعد نصلح لشيء عظيم أبدا! ولكن علينا في الوقت ذاته ألا نقف إلى جوار ضعفنا لأنه من فطرتنا البشرية! ونصر عليه لأنه يقع لمن هم خير منا! هنالك العروة الوثقى. عروة السماء. وعلينا أن نستمسك بها لننهض من الكبوة، ونسترد الثقة والطمأنينة، ونتخذ من الزلزال بشيرا بالنصر. فنثبت ونستقر، ونقوى ونطمئن، ونسير في الطريق.. وهذا هو التوازن الذي صاغ ذلك النموذج الفريد في صدر الإسلام. النموذج الذي يذكر عنه القرآن الكريم مواقفه الماضية وحسن بلائه وجهاده، وثباته على عهده مع الله، فمنهم من لقيه، ومنهم من ينتظر أن يلقاه”(في ظلال القرآن).

وليس من قبيل الصدفة أن  يكون المسجد هو الجامعة التي يتخرج فيها الرجال أصحاب المواقف العزيزة، والكلمة الشريفة، قال تعالي:  ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآَصَالِ* رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ * لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾(النور: 36 – 38) فالرجولة الحقة ألا تنسيك الدنيا وشهواتها وملذاتها مستقرك الحقيقي وحياتك الخالدة يوم القيامة، والرجولة الحقة ألا تنسيك التجارة وتثمير المال وتكديس الأرباح ذكر الكبير المتعال الذي خلق ورزق، وإليه المرجع والمنقلب، والرجولة الحقة  تكون في عبادة الله حق عبادته، والاستعداد لليوم الذي تتقلب فيه القلوب والأبصار.

والرجولة الحقة في نظر الإسلام تطهرٌ من كل رجس، واستعلاءٌ علي كل ضعف. قال تعالي: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ﴾(التوبة: 108) فالرجولة الحقة تطهرٌ من الذنوب والمعاصي والآثام، كبيرها وصغيرها، وتطهرٌ من حظوظ النفس ونزواتها، وتطهر من الهوي والبغي والظلم، وتطهرٌ من العصبية الجاهلية والعنصرية العمياء، وتطهرٌ من جنون العظمة وتضخم الذات وازدراء الآخرين، وتطهرٌ من الشح والبخل والكزازة، وتطهرٌ من الجبن والكذب والرياء، وتطهرٌ من  التلون والخداع والغدر والخيانة.

والرجولة الحقة هي اتخاذ الموقف الصحيح، في الوقت المناسب، مهما كانت النتائج والتضحيات، ولو كنت وحدك، ولو كان العالم كله ضدك، فهذا مؤمن آل ياسين يعلن كلمة الحق بكل صراحة ووضوح، وبصوت جهير، وفي وقت خطير. قال تعالي: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ * اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ * وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ * إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ * إِنِّي آَمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾(يس: 20 – 25).

والرجولة الحقة أن تنحاز للحق في الوقت الذي يحتاج فيه إلي نصرتك، ولا تؤخر ذلك بأي ذريعة، ولو كانت ذريعة الحفاظ علي النفس، فإنما يحافظ المؤمن علي نفسه لمثل هذا اليوم، ولا خير في نفس لا تخاطر من أجل الحق الذي تؤمن به، وتطلب السلامة أبداً، فهذا مؤمن آل فرعون رغم أنه كان يكتم إيمانه، إلا أنه أعلن عنه في الوقت المناسب الذي يجب مناصرة الحق فيه، ويصبح خذلانه جريمة، جهر بكلمة الحق في بلاط فرعون، وأطال النفس في مناقشة فرعون وحاشيته بحجة ناصعة وبيان مشرق كالشمس في رابعة النهار، وتأمل هذه الآيات بقلبك وعقلك:

قال تعالي: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ * يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ * وَقَالَ الَّذِي آَمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ * مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ * وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ * وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ * الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آَمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ * وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ * أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنِ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ * وَقَالَ الَّذِي آَمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ * يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآَخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ * مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ * وَيَا قَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ * تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ * لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآَخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ * فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾(غافر: 28 – 44).

والرجولة الحقة هي الوقوف في وجه المثبطين والمرجفين، وهذان رجلان من قوم موسي عليه السلام وقفا بوضوح وصراحة في مواجهة المثبطين والمرجفين من قوم موسي الذي رفضوا أن يدخلوا بيت المقدس واعتذروا لموسي عليه السلام عن عدم قدرتهم علي مجابهة الجبارين والعمالقة في هذا البلد، فنطقت الرجولة ﴿قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾(المائدة: 23) ويتكرر المشهد في قصة طالوت وجالوت:  ينفس المثبطون سمومهم، فتتحدي الرجولة التي تقطع دابر الضعف والوهن: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ * وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ * فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾(البقرة: 249 – 251).