عندما يأتي الموت، سيذهب البعض رشيقاً، لقد أفرغ مشاعره على الجميع، كلمة الحب قد قيلت ومشاعر الامتنان تم إيصالها، والاعتذار قد تحقق..
ليس في قلبه غصة تقصير تجاه من أحبهم وأحبوه

يقيناً بعد مئة عام لن يبقى أحد منا هاهنا ..
سنترك ملعب الحياة لأناس غيرنا، سنرحل جميعنا بلا شك..
غير أن نهاية الرحلة لن تكون واحدة، هناك غصة في الحلق ستنتاب الكثير منا، غصة تشعرنا بالحزن ونحن نودع بيتنا الأول لنستقر في تلك الحفرة المظلمة حتى يأتي أمر الله لنقف بين يديه.
لا أتحدث هنا عن ندمك مما قمت به من أخطاء، في كتابات رجال الدين من المواعظ ما يكفيك، أنا أتحدث معك عن غصة التقصير تجاه نفسك، وأحلامك، ومن حولك..
عندما يأتي الموت، سيذهب البعض رشيقاً، لقد أفرغ مشاعره على الجميع، كلمة الحب قد قيلت ومشاعر الامتنان تم إيصالها، والاعتذار قد تحقق..
ليس في قلبه غصة تقصير تجاه من أحبهم وأحبوه، مزق دفتر التأجيلات منذ زمن، وأدرك أن الحياة قصيرة، وأن خزينة المشاعر تم توزيع تِركتها على الجميع، كل حسب حصته!
بلى، سيموت رشيقاً، لم تترهل أحلامه، سعيه الدؤوب من أجل تحقيقها جعل عضلات حلمه نشطة، لقد زار البلاد التي أحبها، وصنع الإنجاز الذي تمناه، وانتصر في معاركه المصيرية بشرف.. أو على أقل تقدير بذل جهده بلا تقصير.
وهناك من يذهب متخماً، يحمل فوق ظهره مئات الأماني التي وضعها في متحف طموحه، دون أن يمتلك شجاعة فرض إرادته على الحياة.
أصول اللعبة تخبرك أننا لن نحيا سوى مرة واحدة، وبالتالي عمليات التأجيل المستمرة لن تنفعك عندما يمر الوقت الأصلي لمباراة حياتك، لن تكون ممتناً أبداً عن نفسك وأنت ترى خريف العمر يأتي برياحه ليعصف بأوراق أحلامك التي ظلت لزمن ذابلة، والبحث عن حلول في الوقت الضائع ـ صدقني ـ عملية مرهقة حداً..
لماذا التأجيل إذن..؟!
إنسان القرن الحادي والعشرين تم خداعه، فُرضت عليه أبجديات ليست حقيقية، تم إخباره بغير الحقيقة!
لقنوه أن العمل أهم من الأسرة، والمال أهم من العلاقات، والطموح ضد الرضا، وأي تقدم في حياته لن يتم احتسابه مالم يُترجم إلى شيء ملموس.
وعليه ..صار يركض نحو الحلم مهملاً الواقع!
ولو تمهل قليلاً ليفكر، لأدرك أنه يسير في عكس ما تطلبه روحه، وأن أبجديات العصر الحديث قد سجنته بالكلية.
إننا نعيش اليوم في ثقافة رأسمالية عنيفة، تعتمد مبدأ “النمو” وتهمل فكرة “التنوع”، و”النمو” المقصود هنا هو قدرة الشخص على أن يرتفع في كل يوم درجة إضافية، وفي اتجاه واحد، مهملاً أنه ليس ماكينة لجني الأموال، ولا يمكن اختصار كينونته في كونه “منافس” على طول الخط، إنه قبل كل شيء إنسان، يحمل أحلامه الشخصية التي قد تكون بسيطة غير معقدة، لكنها مهمة في التدليل على إنسانيته، بل وحياته.
هل جالست محتضراً من قبل؟!
حسناً، أتمنى أن تفعلها، أو حاول على الأقل أن تفتش عن الكلمات الأخيرة التي قالها المودعون!
الراحلون يا صاحبي سيحدثونك عن الضحكة المكتومة، وأمانيهم من عودة الحياة كي يضحكوها، عن الخير المقطوع، وكم يتمنون أن يستمر العمر كي يصلوه، وعن الأحباب المنسيين وكم كان يجب أن يتمهلوا قليلاً أو كثيراً من أجل الاستئناس بهم.
لن يحدثك أحدهم عن ذكائه، ولا عبقريته، ولا مكاسبه المادية، ملك الموت يُحضر معه دائماً مرآة الحقيقة، فيرى المُحتضر الأسعار الحقيقية للأشياء، فيدرك المرء ـ وغالباً بعد فوات الأوان ـ أنه قد باع حياته بثمن بخس رخيص، وأنه لم يكن رشيقاً بالقدر الكافي.
وأن ظهره المُثقل بالأماني الكاذبة، والأمل الطويل قد قيده كثيراً .. وأوجعه كثيراً.
كثيراً جداً..

بقعة نور: الموت يجعلنا نتساوى في القبور، كلنا في ذات الحفرة العميقة، لكنه لا يساوينا أبداً في المقامات!، الموت قد ينسينا أحدهم، وقد يُذكرنا بالآخر، الموت قد يُحيي أحياناً!، وسر الأمر أن من فهم الحياة سيفهم الموت، وسيستعد له جيدا