لم يكن تحويل القبلة حادثاً عرضياً في تاريخ الدعوة الإسلامية، ولم يكن أمراً ثانوياً في تأسيس الدولة الإسلامية ، ولكنه كان عميق الأثر في التوجيه والتأسيس، وفي الغرس والتربية، لقد كان امتحاناً للإيمان، وتصحيحاً للمفاهيم، وكشفاً لجانب من مؤامرات الأعداء ومكائدهم، وأساليبهم في الفتنة، ومنهجهم في التفكير، وهو لم يخاطب جيل التأسيس فقط، وإنما يخاطب الأمة الأسلامية إلي نهاية الزمان.
عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رضي الله عنه قَالَ: «نَزَلَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَوَّلَ مَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ عَلَى أَخْوَالِهِ مِنْ الْأَنْصَارِ، وَصَلَّى قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْرًا، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم يُحِبُّ أَنْ يُوَجَّهَ إِلَى الْكَعْبَةِ، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ, فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا، فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ فَتَوَجَّهَ نَحْوَ الْكَعْبَةِ وَأَنَّهُ صَلَّى أَوَّلَ صَلَاةٍ صَلَّاهَا, صَلَاةَ الْعَصْرِ وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ صَلَّى مَعَهُ, فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ مَسْجِدٍ مِنْ الْأَنْصَارِ وَهُمْ رَاكِعُونَ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ نَحْوَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَقَالَ: أَشْهَدُ بِاللهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَأَنَّهُ تَوَجَّهَ نَحْوَ الْكَعْبَةِ فَانْحَرَفُوا وَهُمْ رُكُوعٌ حَتَّى تَوَجَّهُوا نَحْوَ الْكَعْبَةِ وَكَانَتْ الْيَهُودُ وَأَهْلُ الْكِتَابِ قَدْ أَعْجَبَهُمْ إِذْ كَانَ يُصَلِّي قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، فَلَمَّا وَلَّى وَجْهَهُ قِبَلَ الْبَيْتِ، أَنْكَرُوا ذَلِكَ فَقَالَ السُّفَهَاءُ مِنْ النَّاسِ وَهُمْ الْيَهُودُ: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمْ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا, قُلْ للهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وَمَاتَ عَلَى الْقِبْلَةِ قَبْلَ أَنْ تُحَوَّلَ رِجَالٌ وَقُتِلُوا فَلَمْ نَدْرِ مَا نَقُولُ فِيهِمْ فَأَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾(البقرة: 143)»(رواه البخاري ومسلم).
هذه هي وقائع الحادثة كما ترويها السنة المطهرة ولنا معها وقفات:
الوقفة الأولي: مع أدب المعلم الأول، والنبي المرسل، والرحمة المهداة، محمد صلي الله عليه وسلم، أدبه مع ربه وخالقه ومولاه عز وجل، فرغبته تتردد في صدره، وشعوره يختلج في نفسه، وبصره يرنو إلي البيت العتيق، ولكن لسانه رغم ذلك لم يلهج بالدعاء والطلب من الله تعالي أن يحقق له هذه الرغبة، إنه الحياء من الله، والأدب معه سبحانه، وكأنه تكرار لحال إبراهيم عليه السلام إذ قال لجبريل عندما نزل إليه وقد ألقاه قومه في النار ليقول له : ألك حاجة، فيكون جوابه: أما إليك فلا، وأما إلي ربي فعلمه بحالي يغنيه عن سؤالي. وكما جعل الله تعالي النار برداً وسلاماً علي إبراهيم؛ فقد استجاب الله تعالي لمكنون صدر نبيه صلي الله عليه وسلم﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾(البقرة: 144).
الوقفة الثانية: مع الجاهزية الإيمانية، وسرعة الاستجابة من جيل التأسيس أصحاب محمد صلي الله عليه وسلم، فعندما علموا أن الله تعالي أمر رسوله صلي الله عليه وسلم بالتوجه إلي الكعبة في صلاته؛ نفذوا التكليف فوراً، بلا تردد أو مناقشة أو جدل أو مماحكة، وقد كانوا في صلاة العصر، فتحولوا من فورهم دون انتظار لإتمام الصلاة التي شرعوا فيها ثم التحقق من الأمر ثم التنفيذ من الصلاة التالية، ولو فعلوا ذلك لما وقع عليهم لوم، ولكنها الجاهزية الإيمانية، وسرعة الاستجابة، والثقة المتبادلة في المجتمع المسلم، إلي الدرجة التي لم يدر بخلد الصحابة المصلين أن ينتظروا حتي يتحققوا من الخبر؛ فما دام أحدهم قد شهد بذلك فهو حق وصدق.
الوقفة الثالثة: مع منهج السفهاء في التفكير، فهو منهج سطحي لا ينفذ إلي أعماق القضايا، ويبني الأحكام علي العاطفة أكثر من بنائها علي العقل والمنطق، وبغض النظر عن حظوظهم من العلم، فإنهم يفكرون بنفس الطريقة التي تتسم بالسطحية وتحكيم العاطفة؛ وقد اختلف المفسرون في المقصود بالسفهاء هنا، فمنهم من قال هم اليهود، ومنهم من قال هم مشركو مكة، ومنهم من قال هم المنافقون. ولا يمنع أن تشمل الآية هذه الأصناف الثلاثة، وقد أثار السفهاء هنا أسئلة ليس الهدف منها الوصول إلي الحق بل إثارة الفتنة والبلبلة، مع أن القضية واضحة وضوح الشمس لمن أراد الهداية، فالكون كله من خلق الله وهو صاحب الخلق والأمر، وقد رد الله عليهم قولهم بهذه الباسطة وهذا الوضوح. ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾(البقرة:142). أما بناء الأحكام علي العواطف والمواقف المسبقة لا علي الحقائق فقد أثبتها عليهم قول الله تعالي: ﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آَيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾( البقرة:145). فأحكامهم مصدرها الهوي ولا أثر فيها للعقل والمنطق، ولا ظل فيها للحق والحقيقة.
الوقفة الرابعة: مع تصحيح الإيمان، وهذه إحدي الحكم من تحويل القبلة، فقد كان العرب يقدسون الكعبة في جاهليتهم ويحجون إليها ويعظمونها، وكانت بقايا هذه العاطفة موجودة في قلوب المسلمين، وقد كانت قبلة الصلاة في أول الأمر جهة الكعبة، ثم أمروا بالتوجه إلي المسجد الأقصى، ثم أمرهم الله تعالي بالعودة إلي الكعبة مرة أخري، وهذا تصحيح للإيمان، ليكون تقديسهم للكعبة مستمداً من أمر الله بالتوجه إليها، وليس امتداداً لعاطفتهم السابقة الموروثة من الجاهلية، فليس لجهة أو مكان قداسة في ذاتها وإنما تستمد ذلك من أمر الله تعالي. ولذلك رد الله تعالي شبهة السفهاء التي أثاروها في وجه المؤمنين بقولهم إذا كانت صلاتهم قبل الكعبة صحيحة فصلاتهم جهة المسجد الأقصى باطلة، فقال تعالي: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾(البقرة: 143).
الوقفة الخامسة: مع اختبار قوة الإيمان، فقد أصابت هذه الحادثة ضعاف الإيمان فهزت ثقتهم، وكان موقفهم شبيهاً بما كان منهم أو من أمثالهم في حادثة الإسراء والمعراج، أما المؤمنون الصادقون فلم تزدهم إلا إيماناً وتصديقاً، وهكذا كل الأحداث الكبيرة تحدث هزات ينتج عنها غربلة للصف ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾(البقرة: 143) فالأمة الوسط الشاهدة علي الناس لابد أن تختبر في صدقها وإيمانها، ولابد أن يتميز من يمثل هذه الأمة بحق، ومن يلتصق بها التصاقاً، وينتسب إليها ادعاء.
الوقفة السادسة: مع الرابطة بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى، وقد ظهرت هذه الرابطة في رحلة الإسراء والمعراج، وتظهر هنا أيضاً، فالمسجد الأقصى هو أولي القبلتين، وثالث الحرمين الشريفين، وأحد المساجد الثلاثة التي لا تشد الرحال إلا إليهاـ وفيه مسري الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم، وفيه صلي إماماً بالأنبياء؛ فهو ميراث هذه الأمة وشرفها وقدسها، والدفاع عنه وعن حرمته واجب علي كل مسلم، والتفريط فيه خيانة لله ورسوله، وخيانة للأمة ومقدساتها وتاريخها.