رواية يوسف بن تاشفين لمعركة الزلاقة
«فجمعنا عساكرنا وسرنا إليه (ألفونسو السادس)، وصرنا إلى قفل قورية من بلاد المسلمين صرفها الله، فسمع بنا، وقصد قصدنا، وورد وردنا، واحتلَّ بفنائها منتظرًا لنا، فبعثنا إليه نحضه على الإسلام، ودخوله في ملة محمد، أو ضرب الجزية عليه، وإسلام ما كان من المال والبيوت لديه، كما أمرنا الله تعالى وبيَّن لنا في كتابه؛ من إعطاء الجزية عن يد وهم صاغرون، فأبى وتمرَّد، وكفر ونخر، وعَمِل على الإقبال علينا، وحثَّ في الورود علينا، فلحِقَنَا وبيننا وبينه فراسخ، فلمَّا كان بعد ذلك، برزنا عليه أيامًا، فلم يُجِبْنَا، فبقينا وبقوا، ونحن نخرج الطلائع إليه، ونُتابع الوثوب عليه، وبنينا على لقائه يوم الخميس لإحدى عشر ليلة خلت لرجب سنة تسع وسبعين وأربعمائة.

فلما كان يوم الجمعة ثانيه، ورد علينا بكتائب قد ملأت الآفاق؛ وتقلَّبَتْ تَقَلُّب الحتوف للأحداق؛ قد استلموا الدروع للكفاح، وربطوا في سوقهم الألواح، وبطونهم ملأى من الخمر، يُقَدِّرون أن الدائرة علينا تدور، ونحن في أخبيتنا صبيحة اليوم المذكور، كلٌّ مِنَّا سَاهٍ، وجميعنا لاهٍ، فقصد أشدُّهم شوكة، وأصلبُهم عودًا، وأنجدُهم عديدًا، محلةَ المعتمد على الله المؤيد بنصر الله -وَفَّقَهُ الله- عماد رؤساء الأندلس وقطبهم، لا يقدرون عسكرًا إلا عسكره، ولا رجالاً إلا رجاله، ولا عديدًا إلاَّ عديده، وداود من أصحابنا منا إلى إزائه، فهبطوا إليه لفيفًا واحدًا، كهبوط السيل، بسوابق الخيل، فلما كان معه من جنده ومن جميع الطبقات، الذين كانوا يدخرون من قبله الأموال والضياع، استكَّت آذانهم [2]، واضطربت أضلاعهم، ودهشت أيديهم، وزلزلت أقدامهم، وطارت قلوبهم، وصاروا كركب الحمير، فَرُّوا يطلبون معقلاً يعصمهم، ولا عاصم إلاَّ الله، ولا هاربًا منه إلاَّ إليه، فلحقوا من بطليوس بالكرامات، لما عاينوا من الأمور المعضلات، وأسلموه (المعتمد) -أيده الله- وحده في طرف الأخبية، مع عدد كثير من الرجالة والرماة، قد استسلموا للقضاء، فوثبوا (الروم) عليه وثب الأسد على الفرائس، يعظمون الكنايس، فحبسهم حينًا وحده مع مَنْ إليه ممن ذكرناه، وبسطوا منهم الأرض، ولم يبقَ من الكل إلاَّ البعض، ولجأ في الأخبية بعد أن عاين المنية، وتَخَلَّصَه اللهُ بنِيَّتِه في المسلمين وبلغه أمنيته، بعد أن وقف وقفة بطل مثله، لا أحد يَرُدُّ عليه، ولا فارس من فرسانه وعبيده يرجع إليه، لا يروعه أحد منهم فيهزم، ولا يهابهم فيسأم.

ثم قَصَدَتْ كتيبَتَهُ (كتيبة ألفونسو) سودًا كالجبل العظيم أو الليل البهيم، عسكر داود وأخبيته، فجالوا فيها جولانًا، وقتلوا من الخلق ألوانًا، واستشهد الكل بحمد الله، وصاروا إلى رضوان الله، ونحن في ذلك كله غافلون، حتى ورد علينا وارد، وقصد إلينا قاصد، فخرجنا من رواء الشعب، كقطع اللهب، بجميع مَنْ معنا، على الخيل المسومة العراب، يتسابقن الطعن والضراب، فلما رأونا، ووقعت أعينهم علينا، ظَنُّوا أن الدائرة فينا ولدينا، وأَنَّا طُعْم أسيافهم، ولقاء رماحهم، فكَبَّرْنَا وكَبَّر الكل معنا، مبتهلين لله وحده لا شريك له، ونهضنا للمنون الذي لا بُدَّ منه، ولا محيص لأحد عنه، وقلنا: هذا آخر يومنا من الدنيا، فلتموتوا شهداء.

فحملوا علينا كالسهام، فثَبَّتَ الله أقدامنا، وقوَّى أفئدتنا، والملائكة معنا، والله تعالى وليُّ النصر لنا، فَوَلَّوْا هاربين، وفَرُّوا ذاهبين، وتساقط أكثرهم بقدر الله تعالى دون طعنة تلحقه، ولا ضربة تُثخنه، وأضعف الرعب أيديهم، فطعَنَّاهم بالسمهرية [3] دون الوخز بالإبر، وضاقت بهم الأرض بما رحبت، حتى إن هاربهم لا يرى غير شيء إلا ظنه رجلاً، وفتكت فيهم السيوف على رغم الأنوف، فوالله! لقد كانت تقع على الدروع فتفريها، وعلى البيضات فتبريها، وزرقوا الرجالة منا على خيلهم الرماحَ، فشَكُّوهم بها فرمحت بهم.

فما كنت ترى منهم فارسًا إلاَّ وفرسه واقف على رأسه لا يستطيع الفرار، الكلُّ يجرُّ عنانه، كأنه مُعْقَل بعقاله، ونحن راكبون على الجواد الميمون، العربي المصون، السابق اللاحق، المعدُّ للحقائق، وما منا إلاَّ مَنْ له جرناز [4] فيه سيفان، وبيدنا الثالث، عسى أن يحدث من حادث، فصاروا في الأرض مجدلين [5]، موتى معفَّرين [6]، وقد تراجع الناس بعد الفرار، وأمنوا من العثار، وتضافروا مع عسكرنا وغيرهم؛ يقطعون رءوسهم، وينقلون بإزاء المحلات، حتى علت كالجبال الراسيات، عدد لا يُقَدَّر، ومدد لا يُحْزَر، والتجريد فيهم، والأيدي متعاودة لبطونهم، واستأصلنا أكابرهم، وحللنا دون أماطيهم وأمانيهم، وما ربك بغافل عما يعمل الظالمون.

وانقطع من عسكرهم نحو ألفي رجل أو أقل، والأذفونش فيهم على ما أخبرنا، قد أُثخنوا جراحًا بإزاء محلاتهم، يرتادون الظلام للهروب في المقام، واللهِ! لقد كان الفرسان والرجَّالة يدخلون محلَّتهم، ويعثرون في أخبيتهم، وينتهبون أزودتهم، وهم ينظرون شزرًا نظر التيوس إلى شفار الجازرين، إلى أن جنَّ الليل وأرخى سدوله، وَلَّوْا هاربين، وأسلموا رحائلهم صاغرين، فكم من دلاص [7] على البقاع ساقطة، وخيول على البقاع رابضة، ولقد ارتبط كل فارس منا الخمسة الأفراس أو أزيد.

وأمَّا البغال والحمير فأكثر من ذلك، وأما الثياب والمتاع فناهيك، والأسرَّة بأوطية الحرير، والثياب والأوبار عدد ليلهم، ولا يكلُّون في الانتقال، ولا يسأمون من تشريط الأموال، ولحقوا قورية، ومنها إلى حيث ألقت رحلها أم قشعم [8]، فصححنا ضمائرنا، وأخلصنا للمعتمد على الله نياتنا وسرائرنا، ورجعنا بحمد الله غانمين منصورين.

لم يستشهد منا إلاَّ الفرقة التي قَدَّر الله عليها بذلك، وقَدَّرنا أن الكل منهم هلك لقلَّة معرفتهم وجهالتهم بقتال النصارى، وتراميهم للشهادة، قدَّس الله أرواحهم، وكرَّم مثواهم وضريحهم، وجعل الجنة ميعادًا بيننا وبينهم، وفقدنا من أكابرنا نحو عشرين رجلاً ممن شُهدت نجدته في المغرب، وانقلبت خير منقلب. ولحقنا إشبيلية حضرته (المعتمد) عمرت ببقايه، وأقمنا عنده أيامًا، ورفعنا عنه مُوَدِّعين، لا تَوَدُّع قاطع…» [9].

[1] محمد عبد الله عنان: دولة الإسلام في الأندلس 3/446. منقولة من المخطوط رقم 448 الغزيري بمكتبة الإسكوريال Fol. 49R. -53V. وهو مخطوط ناقص من أوله ولا عنوان له.
[2] استكَّت آذانهم: أي صُمَّت. ابن منظور: لسان العرب، مادة سكك 10/439.
[3] السمهرية: الرماح الصُّلبة. ابن منظور: لسان العرب، مادة سمهر 4/381.
[4] هكذا في المصدر.
[5] المجدَّل: الصريع، أو الملقى بالأرض. ابن منظور: لسان العرب، مادة جدل 11/103.
[6] معفَّر: أي تقلَّب في التراب.
[7] الدِّرع الدِلاص: البرَّاقة، الملساء، اللينة. ابن منظور: لسان العرب، مادة دلص 7/37.
[8] أم قشعم: الحرب، أو المنية. ابن منظور: لسان العرب، مادة قشعم 12/484.
[9] محمد عبد الله عنان: دولة الإسلام في الأندلس 3/448، وما بعدها.