عقائد البلاء: من وحي قصة أصحاب الأخدود

ليليان أحمد

تمرّ الأمة الإسلامية بحالة من الاستضعاف الشديد، ويزداد الوضع تأزّمًا، حرمات الله تنتهك، ظلمٌ وجور وطغيان، تتساءل القلوب المتألمة لمن تكلنا يا الله؟! يا رب هُنّا على الناس! فنحن أحوج في هذه الأيام الصعاب إلى التفكر في عقائد البلاء ومعرفة مراد الله فيما يحدث لنا لترتاح القلوب، وتعي العقول الاتجاه الصحيح. لم أجد في مخيلتي أفضل من حادثة الغلام المؤمن وأصحاب الأخدود؛ فهي قصة لا تخص زمانها ومكانها وشخوصها فقط، بل هي قصة كل صاحب دعوة مع كل ظالم، قصة الحق مع الباطل، والصراع القائم إلى يوم القيامة.

ملخص القصة
كان هناك ملك له ساحر، فلما كبر طلب من الملك أن يرسل له صبيًا يعلمه السحر، فبعث له غلامًا، وفي طريق الغلام للساحر مر براهب سمع منه فأعجب بكلامه، فكان كلّما ذهب للساحر قعد مع الراهب. فبينما هو كذلك حدث مشهد مهيب فاستغله الغلام، كانت هناك دابة عظيمة تحبس الناس في الطريق، فأخذ حجرًا وقال: “اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة”، فرماها فقتلها ومضى الناس، فحكى الغلام الواقعة للراهب فقال له:

أي بني، أنت اليوم أفضل مني، وإنك ستبتلى.

أصبح الغلام يبرئ الأكمه والأبرص ويداوي الناس، وكان جليس الملك أعمى، فسمع بأمر الغلام فأتاه فآمن وشفاه الله. فسأله الملك من رد عليك بصرك فأخبره بأمر الغلام.

أخذ الملك يعذب الغلام ليرجع عن دينه، وشق رأس الراهب بالمنشار. حاول الملك قتل الغلام عدة مرات، في كل مرة يهلك جنود الملك ويعود الغلام سالمًا، فقال للملك:

إنك لست بقاتلي حتى تجمع الناس في صعيد واحد وتصلبني على جذع وتأخذ سهم من كنانتي وتقول بسم الله رب الغلام ثم ارمني.

ففعل الملك، ومات الغلام؛ فهتف الناس “آمنا برب الغلام”! فأمر الملك بحفر الأخاديد لكل من لم يرجع عن دينه ليُلقى فيها، ففعل الجنود حتى جاءت امرأة معها طفلها فتقاعست، فقال الصغير: “يا أماه اصبري فإنك على الحق”، فثبتها الله ولحقت بإخوانها في نار الأخدود.

كان له ساحر
“كان ملك وكان له ساحر” كعادة كل طاغية يحتاج إلى ساحر لسلب عقول الجماهير حتى يعيشوا في حالة من التيه والضياع، تجعلهم خانعين يُسبِّحون بحمد جلادهم. يختلف شخص الساحر باختلاف الزمن؛ فهناك الساحر بمعناه الحرفي كسحرة فرعون، وهناك علماء السلطان الذين يدلسون على الناس دينهم بتحريف ما أنزل الله، حتى وصل الأمر بتحليل سفك الدماء وانتهاك الحرمات في سبيل تثبيت حكم الظلمة.

وهناك الساحر الإعلامي الذي بلغ من الوقاحة وقلة الضمير أن يحدث الناس ليلًا ونهارًا عن الرخاء والإنجازات والتقدم غير المسبوق الذي حققته السلطة الراشدة، فإن أردت أن تهزم الملك فعليك أن تبطل سحر الساحر.

أنت اليوم أفضل مني
انظر إلى روعة كلام الراهب وإخلاصه في دعوته، واعترافه أن ذلك الغلام الصغير أصبح أفضل منه، فهو لم ينظر إلى فرق السن والعلم والخبرة، لم يدعِ الحق والمعرفة المطلقة له، وهنا نرى التجرد ووضوح الهدف عند الراهب، وهو مصلحة الدعوة وانتشارها، فليس من الضروري أن ينتصر الدين على يد حزبك أو جماعتك، الأهم أن ينتصر.

وفي قوله “أي بني”، تدل على حبه وقربه من الغلام؛ فلم يعترف بأفضليته عليه بحقد أو كره.

إنك ستبتلى
عند سماع هذه الكلمات يتبادر إلى الذهن في الوهلة الأولى كلام ورقة بن نوفل عندما سأله رسول الله: “أو مخرجيّ هم؟!” قال: “لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي”. وها هم قوم لوط لم يتحملوا وجود بيت يدعو إلى الطهر في قريتهم، فكان جوابهم ﴿أخرجوا آل لوط من قريتكم إنهم أناس يتطهرون﴾، فهو قانون وسنة ثابتة لكل من سار على درب الحق، فالابتلاء والعداء والإخراج والدماء ظواهر أساسية في معركة الحق والباطل.

كما أنها رسالة لكل من يتحجج بالخوف على النفس والأهل، ويدعي أن العقل يحتم علينا الخضوع، وأن الوقوف أمام الظلم جنون وهلاك.

تجمّع الناس في صعيدٍ واحد
وهنا نرى وعي الغلام بأهمية الجماهير في المعركة، وأنه مكلف بتوصيل الحق لهم وإدماجهم في المعركة، ففي آخر لحظات حياته يفكر في طريقه يوقظ بها وعيهم، فهو موقن أن الجماهير كنز استراتيجي لأي دعوة.

تجلت هذه الفكرة أيضًا في مواقف أخرى، واستخدمها أهل الحق كسيدنا موسى في طلبه من فرعون حشر الناس ضحى، وأهل الباطل كقوم سيدنا إبراهيم عندما جمعوا الناس ليشهدا عذابه.

آمنا برب الغلام
إنه مشهد مهيب، مشهد إيمان الجماهير إيمانًا حقيقيًا صادقًا، طار منه لب الملك فأمر بحفر الأخاديد، ولكن أهل الباطل لم يعوا أن البطش والتعذيب لا يزيد المؤمن إلا صلابة وثباتًا على الحق، بل والأدهى من ذلك أحيانًا أنه يساهم في نشر الدعوة. وكما حدث مع الغلام، حدث مع صحابة رسول الله الكرام، فبالرغم من تعذيب قريش للمسلمين أشد العذاب، كانت الدعوة تنتشر وتغزو كل ديار قريش، فالصبر والثبات من أساسيات نجاح أي دعوة.

يا أمّاه اصبري
يالها من تضحية تعجز عن وصفها الكلمات، ترى كيف كان حال فؤاد هذه الأم؟! بمَ كانت تشعر وهي تلقي صغيرها في النار؟! أي صبر وتضحية وإيمان هذا؟!

تمثل كلمات هذا الصغير رسالة لكل أم في كل زمان ومكان تخشى على فلذات كبدها من مواجهة الظالمين. يا أمّاه اصبري، لكل أم معتقل، مجاهد، شهيد، مطارد، يا أمّاه اصبري! فنحن قدر الله على الأرض، خلقنا لنواجه ونغيّر؛ فاصبري يا أمي فإنك على الحق.

يا أمّاه اصبري، “صبرًا آل ياسر؛ إن موعدكم الجنة”. فالصبر على الحق عبادة، وقدر حتمي على كل أصحاب الرسالات، وكلما كانت الغاية واضحة، والهدف الرئيسي راسخًا في ذهن صاحب الدعوة، كان أكثر صبرًا وتحملًا.

غلام

غلامٌ لا نعرف اسمه ولا وصفه ولا في أي زمان ومكان كان، فمن غير المهم أن نعرف اسم الفاعل، ولكن الأهم أن نرى أثر فعله المخلّد إلى يوم القيامة. غلام يذكّرنا بالرجل الذي جاء يسعى من أقصى المدينة ليخاطب قومه ليتّبعوا المرسلين، وأخذ يدعوهم حسب القصة المذكورة في سورة يس. يذكّرنا أيضًا بمؤمن آل فرعون الذي يكتم إيمانه، وغيرهما من الشخصيات العظيمة المؤثرة التي لا نعرف عنهم سوى مواقفهم. فالغاية الأساسية هي العمل لأجل الحق لينتصر ويرتفع، لا لنصر شخصي محدود.

غلام صغير السن محدود الإمكانيات، بل لا يملك شيئًا بحسابات البشر، استطاع أن يغير تغييرًا جذريًا، وأن يقف في وجه الملك، أن يوقظ وعي الجماهير، هذا الغلام يجعلنا نقف مع أنفسنا لنسألها: لم لا يكون كل منا في مكانه هذا الغلام؟! حتى متى سنظل نتحجج بالعجز وقلة الحيلة وضعف الإمكانيات؟

عقائد البلاء
قد يتصور البعض أن النهاية كانت هزيمة المؤمنين، وانتصارًا ساحقًا للظالم وأعوانه، فقد قتلوا كل المؤمنين في مشهد وحشي وهم قعود يشاهدون تلك المناظر، ونشوة الانتصار تطل من أعينهم. لكن الله يعلمنا في كتابه الكريم في سورة البروج عدّة معانٍ بمثابة عقائد للبلاء، يعلمنا فيها ربنا ما وراء البلاء ومقاصده التي تغيب عنا في وقت المحن.

المعركة عقدية بامتياز
يقول ربنا:

﴿ومانقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد﴾

فهي اصل الصراع القائم إلى قيام الساعة، فهؤلاء الذين قتلهم الملك وحفر لهم الأخاديد كانوا من ساعات قليلة رعية الملك، ولا خلاف بينهم حتى آمنوا بالله، فعقلية الطواغيت لا تتحمل سوى الولاء المطلق والعبودية لهم، فكيف بإيمان صادق يريد أن تكون كلمة الله هي العليا؟ فكان لابد من انتقام شديد، رادعًا لكل من تسوّل له نفسه السير في هذا الطريق.

جزاء الآخرة
بينما أجساد مؤمني الأخدود تشتعل في نار لا ترحم طفلًا ولا شيخًا ولا امرأة، وقلوب المؤمنين تشتعل وهم يقرؤون سورة البروج على حال إخوانهم، إذا بالله ينزّل سكينته، ويخبرنا بأنه على كل هذا شهيد، وأن هؤلاء المؤمنين لفي فوز كبير، وأن كل هذا الألم سينتهي وينسى في جنة تجري من تحتها الأنهار. أما من طغى وبغى فله عذاب جهنم وله عذاب الحريق، حريق لا قبل لهم به، لا شبه بينه وبين النار التي أحرقوا فيها إخواننا، فهي نار سرمدية لن تنطفئ أبدًا، فهذه هي النهاية الحقيقة لا نهاية الدنيا الفانية، هذا جزاء الآخرة، لكن ماذا عن الدنيا؟!

إنّ بطش ربك لشديد
أم حسبتم أن دماء إخواننا ماء فلم يغضب الله لحرماته؟! فيخبرنا الله أن بطشه بالظالمين شديد. تخيّل كيف انخلع قلبك من بطش الملك بالمؤمنين، فما بالك ببطش ملك الملوك على من تجرّئ على حرماته؟! يقول نبينا:

إن الله يملي للظالم، فإذا أخذه لم يفلته.

وكم من آيات وأحاديث تتوعد للظالمين، وتُطَمئِن المؤمنين بأن الله يمهل ولا يهمل.

البدء والإعادة

يخبرنا الله أن الكون في حالة بدء وإعادة دائمة؛ فلا تتصور أن موت الطائفة المؤمنة أو استضعافها هو نهاية للدعوة وقضاء على الدين، بل هو بداية جديدة؛ فالله فعال لما يريد، وهو أعلم بالأصلح والأنفع لكل مرحلة، صاحب الإرادة والحكمة المطلقة، وأن نهاية المؤمنين والظالمين بيده هو، وتحت مشيئته.

ثم يشير الله إلى فرعون وثمود: ﴿هل أتك حديث الجنود * فرعون وثمود﴾ لتزداد السكينة في قلوب المؤمنين، يذكرنا الله بأقوام شداد وصفهم بالجنود لتوضيح قوتهم، لنرى كيف فعل ربنا بهم، وكيف كان عذابه وانتقامه، وأنه مهما بلغت قوة الظالمين، فكيد الله متين، وهو يتولى الصالحين.

انظر في نهاية كل قصة من الثلاث، الأولى كان قدر الله استشهاد المؤمنين جميعًا. أما فرعون فكان هلاكه وجنوده ونجاة بدنه آيات كلها. وفي قوم ثمود، نجى الله صالحًا والمؤمنين معه، ولم يكن لهم بعد ذلك ملك ولا تمكين، فالله وحده هو القادر المطلع، صاحب الحكمة المطلقة، ونحن علينا العمل فقط.

قصة أصحاب الأخدود قصة ثرية بالدروس والمعاني، وما زال فيها الكثير والكثير، كانت هذه بعض النقاط التي أعتقد أنها مهمة. وما زالت القصة مستمرة، وستظل مستمرةً إلى قيام الساعة.. يقاوم الغلام، ويأمر الملك بحفر الأخاديد.