الشهيد / محمد محمود الزبيري

 

مولده ونشأته

ولد الشاعر المجاهد محمد محمود الزبيري سنة 1328هـ ( 1910م) في حارة بستان السلطان بمدينة صنعاء باليمن حيث تعيش أسرة الزبيري وهي من الأسر الصنعانية العريقة التي نبغ فيها قضاة وعلماء وشعراء ، فقد كان جده القاضي لطف الباري الزبيري شاعراً وكان من أسرته أيضاً القاضي لطف الله بن محمد الزبيري من علماء حفظة كتاب الله ومن شعراء اليمن المعروفين ، كما اشتغل والده محمود الزبيري بالقضاء ، فأسرة الزبيري أسرة قضاة ، وكثيراً ما رأينا لقب القاضي مقترناً باسم شاعرنا ولقد حفظ الزبيري القرآن الكريم صغيراً وكان ندي الصوت بالقرآن ، يحب الناس أن يستمعوا إليه وإذا استمعوا إليه أنصتوا وخشعوا وقد أم الناس في صلاتهم وهو لم يزل دون العشرين من عمره .

بدأ دراسته في الكتاب ثم بالمدرسة العلية ثم بجامع صنعاء الكبير، وكان هاوياً للمطالعة هواية ملكت عليه لبه ، ونظم الشعر وهو دون العشرين من عمره أيضاً .

 

ذهابه للحج ثم مصر

وفي سنة 1937م ذهب إلى الحج والتقي الملك عبد العزيز آل سعود وألقى قصيدة في الحفل السنوي الذي يقيمه الملك لكبار الحجاج نشرت بجريدة ( أم القرى ) وبقي مجاوراً في مكة المكرمة ثم سافر إلى مصر سنة 1939م حيث التحق بكلية دار العلوم وهناك تعرف على الإمام حسن البنا والأستاذ الفضيل الورتلاني واطلع على مبادئ الإخوان المسلمين بمصر وعلى الفكر الثوري الجزائري وشرع في تجميع اليمنيين الدارسين في المعاهد المصرية .

وفي سنة 1941م قطع دراسته وعاد إلى اليمن وهناك قدم مذكرة للإمام يحيى تتضمن مشروعا لإنشاء جمعية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في صنعاء ، مما أغضب الإمام يحيي كما ألقى خطبة في الجامع الكبير بصنعاء فكان جزاؤه السجن مع عدد من شاب اليمن في سجن ( الأهنوم ) حيث انصرف للصلاة وتلاوة القرآن والذكر والتأمل وبعد خروجه من السجن بمساعدة إخوانه ومحييه لم يطق البقاء في اليمن فذهب إلى عدن حيث بدأ مرحلة الكفاح المنظم فألف ( حزب الأحرار ) اليمني ثم أصدر صحيفة ( صوت اليمن ) سنة 1946م واستمر في كفاحه حتى قامت ثورة اليمن سنة 1948م حيث قتل الإمام يحيى وعين عبد الله الوزير إماماً جديداً وكان للعالم الجزائري المجاهد الفضيل الورتلاني الدور الرئيس في الحركة فعاد الزبيري من عدن إلى اليمن حيث تولى وزارة المعارف ، وحين فشلت الثورة غادر اليمن ولم يجد بلداً عربياً يستقبله فذهب إلى باكستان وتعرف هناك على سفير مصر عبد الوهاب عزام وسفير سوريا عمر بهاء الدين الأميري وأقام حتى سنة 1952م حيث غادرها إلى مصر بعد قيام الانقلاب العسكري على الملك فاروق .

وفي مصر بدأ نشاطه في صفوف اليمنيين وامتد نشاطه إلى اليمنيين في السودان وفي سنة 1955م حدثت محاولة الضباط أحمد الثلايا ضد الإمام أحمد بن يحيى بن حميد الدين ولكنها فشلت وأعدم الثلايا .

 

عودته لليمن

وحين قامت الثورة اليمنية سنة 1962م التي أطاحت بالحكم الحميدي بادر الزبيري بالسفر إلى اليمن وعين وزيراً للمعارف في حكومة الثورة ثم حصلت التدخلات من الدول العربية وغيرها فدخلت اليمن في حرب أهلية أهلكت الحرث والنسل ، فسارع الزبيري لإصلاح ذات البين بين القبائل واشترك في مؤتمرات الصلح بين اليمنيين في مؤتمر ( كرش ) ومؤتمر ( عمران ) ليحل اليمنيون مشكلاتهم بأنفسهم كما تولى رئاسة مؤتمر ( آركويت ) في السودان سنة 1964م وقد تبين له أنه ينفخ في رماد وأن الملكيين والجمهوريين سواء في المطامع فأعلن تأسيس ( حزب الله ) وأخذ يزور القبائل والمدن اليمنية داعياً له واستجاب له الكثيرون .

 

لقد كان الأستاذ الزبيري من العاملين بجد وإخلاص لرفع الظلم عن الشعوب وإقامة العدالة بين الناس ، وتحقيق الشورى بين الحاكم والمحكوم .

وقد جعل من مقر الاتحاد ومن منزله ، مأوى للوافدين إلى مصر من أحرار اليمن ، الذين فروا من الظلم والاضطهاد ، وأنتصبوا لمحاربة الجور والطغيان ، وكانوا يمثلون شرائح المجتمع اليمني ، فيهم الأديب المثقف والزعيم السياسي والعالم الديني والشباب والشيوخ على حد سواء .

وهم جميعاً ينظرون إلى المجاهد الزبيري نظرة التجلة والاحترام ، والإكبار والتقدير ويكثرون من مشورته ، وينصتون إلى آرائه وتوجيهاته .

وكان طلق المحيا ، يهش في وجوه الجميع ، ويتناول القضايا والمشكلات بأسلوب متوازن من حيث بسطها ودراسة جوانبها وتشخيص عللها وبيان طرف علاجها فيستمع إلى آراء الجميع وينحاز إلى الرأي الذي يعضده الدليل وقوة البرهان ، ويفند الرأي المرجوح ويبطل مقولته فيخرج الجميع برأي واحد عن قناعة ورضا وتسليم .

صلاته واتصالاته

والأستاذ الزبيري له اتصالات واسعة ، ومعارف كثيرون معظمهم من العاملين في حقل الدعوة الإسلامية ، كالأستاذ الإمام حسن البنا الذي التقاه أول مرة عام 1939م بمصر ، والأستاذ الفضيل الورتلاني والأستاذ عبد الحكيم عابدين والأستاذ عمر بهاء الدين الأميري والأستاذ علي أحمد باكثير وغيرهم .

وحين كان الزبيري في بلده اليمن ، سعى بكل طاقته لإخراج بلاده من عزلتها ، وفتح آفاق المعرفة أمام أبنائها ، واطلاعهم على ما وصل إليه العالم المتحضر من تقدم علمي تكنولوجي في مجالات شتى يحسن الاستفادة منها ، لأن الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق الناس بها ، غير أن المشكلة تكمن فيمن بيدهم الأمر في ذلك الوقت ، الذين يريدون تجهيل الشعب ، وعزله عن العالم ، لئلا يفتح عينيه وينظر فيما حوله ، فهم في واد والشعب اليمني في واد آخر ، حتى استشرى الظلم وزاد الطغيان فضج الناس ، وكان الطوفان بسبب هذا التزمت المقيت ، الذي لا أصل له في الدين ولا صلة له بالإسلام ، حيث بلغ التعصب أقصى مداه ، وانتشر الجهل وعم الفقر وساد الظلم ، وتحول الشعب إلى طبقة من المسحوقين والعبيد المسخرين الخدمة فرد على حساب الأمة بكاملها ، حتى لقد قال أحد الغربيين في ذلك الوقت : ( إن مصر متخلفة عن أوروبا مائة عام ، أما اليمن فإنها لا زالت تعيش عصر ما قبل التوراة ) .

كل هذه الآفات من الظلم والجهل والفقر والمرض ، فضلاً عن الكبت والتضييق والحرمان من إبداء الرأي أو تقديم النصيحة وإبداء المشورة ، جعلت الأستاذ الزبيري وإخوانه الأحرار المخلصين والمسلمين العاملين من أهل الحل والعقد يبحثون لهم عن مكان يلتقون فيه وإخوان يشدون أزرهم ويقفون إلى جانبهم لإنقاذ أمتهم وتحرير شعوبهم من القيود التي تكبلهم وتثقل كاهلهم فكانت مصر هي المقر وكان رجال الحركة الإسلامية فيها هم الأنصار الذين شدوا أزر إخوانهم اليمنيين ووقفوا إلى جانبهم وقدموا كل ما يلزم من المال والرجال ، وأخذوا بكل الأسباب المستطاعة والإمكانيات المتوافرة .

وإذا كان ما حصل في اليمن سنة 1948م من إرادة التغيير التي لم يكتب لها النجاح قد انعكس بآثار سلبية زادت من حجم المعاناة وشردت الكثير من الأحرار الشرفاء والرجال المخلصين فإن الإرادة الصلبة التي تميز بها الأستاذ الزبيري ، والعمل الدؤوب الذي هو طابعه بالليل والنهار ، والإصرار العنيد على تحقيق الهدف ، قد جعلت من الزبيري وإخوانه نماذج متميزة في النشاط والحركة بحيث استقطبوا الكثير من رجال اليمن وشبابها ، للسير معهم في طريق الدعوة الإسلامية ، باعتبار أن الإسلام هو المنهج الأمثل لحياة الأمم والشعوب والأفراد والجماعات والدول والحكومات ، ومن ثم فلا بد من توحيد كل الجهود لاستئناف الحياة الإسلامية وفق منهج الكتاب والسنة وما أجمع عليه سلف الأمة مما لم يرد فيه نص .

وقد وفق الله تعالى الأستاذ الزبيري وإخوانه إلى قطع مراحل طيبة في هذا السبيل ، حيث كان التجمع اليمني يتخذ الإسلام أساساً لتحركه ، ويلتزم أفراده منهج الإسلام خلقاً وسلوكاً وعقيدة وشريعة ونظام حياة للأفراد والمجتمعات والدول فكان هذا الشباب المسلم اليمني في صفاته ونقائه يمثل أهل اليمن الأصلاء الذين قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم : ( جاءكم أهل اليمن ألين قلوباً وأرق أفئدة ) وقال : ( الإيمان يمان ، والحكمة يمانية ) .

شعره

ذلكم هو الأستاذ الزبيري زينة رجال اليمن ( أبو الأحرار ) الذي اجتمعت عليه القلوب ووثق به الناس لإخلاصه وصدقة ونزاهته وطهارته فكان يتحرك بالإسلام وللإسلام وفي سبيل الله وابتغاء مرضاته وقد نظم قصيده بعنوان ( ثورة ) جاء فيها :

سجل مكانك في التاريخ يا قلـم فها هنا تبعث الأجيال والأمـــم

هنا القلوب الأبيات التي اتحـدت هنا الحنان ، هنا القربى ، هنا الرحم

هنا الشريعة من مشكاتها لمعــت هنا العدالة والأخلاق والشيـــم

هنا البراكين هبت من مضاجعـها تطغى وتكتسح الطاغي وتلتهـــم

شعب تفلت من أغلال قاهـــره حراً فأجفل منه الظلم والظلَـــم

نبأ عن السجن ثم ارتد يهدمـه كل لا تكبل فيه بعـــــده قدم

قد طالما عذبوه وهو مصطبــر وشد ما ظلموه وهو محتكــــم

إن القيود التي كانت على قدمـي صارت سهاماً من السجان تنتقــم

إن الأنين الذي كنــــا نردده سراً غدا صيحة تُصغى لها الأمــم

والحق يبدأ في آهات مكتــئب وينتهي بزئير ملـــؤه نقـــم

جودوا بأنفسكم للحق واتحـــــدوا في حزبه ، وثقوا بالله واعتصمــوا

 وقال بعد خروجه من السجن :

خرجنا من السجن شم الأنـــوف كما تخرج الأسد مــن غابهــــا

نمر على شفرات السيـــــوف ونأتي المنية مــــن بابهـــــا

ونأبى الحياة إذا دنســـــت بعسف الطغـــاة وإرهابهـــــا

ونحتقر الحادثات الكبـــــار إذا اعترضتنــــــا بأتعابهـــا

ونعلم أن القضا واقـــــع وأن الأمـور بأسبابهــــــــا

وإن نلق حتفاً فيا حبــــذا المنايا تجـــيء لخطابهــــــا

ويقول في قصيدة عنوانها ( في سبيل فلسطين ) :

ما للدماء التي تجري بساحتهـــا هانت ،فما قام في إنصافنا حكــــم

ما للظلوم الذي اشتدت ضراوته في ظلمنا نتلقــاه فنبتســـــم

نرى مخالبه في جرح أمتنـــا تدمى ونسعى إليه اليوم نختصــــم

يا قادة العرب والإسلام قاطبــة قوموا فقد طال بعد الصبح نومكــــم

 وفي محاربة الظلم يقول :

علت بروحي هموم الشعب وارتفعت بها إلى فوق ما كنت أبغيـــه

وخولتني الملايين التي قتلــــت حق القصاص على الجلاد أمضيه

أحارب الظلم مهما كان طابعه البر اق أو كيفما كانت أساميــه

جبين جنكيز تحت السوط أجلــده ولحم نيرون بالسفود أشويــه

سيان من جاء باسم الشعب يظلمــــه أو جاء من ( لندن ) بالبغي يبغيـه

( حجاج حجة ) باسم الشعب أطـرده وعنق ( جونبول ) باسم الشعب ألويه

يقول الأستاذ أحمد الجدع : ( إذا أردت أن تتحدث عن اليمن الجمهورية فلا بد لك أن تذكر الزبيري … وإذا أردت أن تتحدث عن الشعر في اليمن فلا بد لك أن تذكر الزبيري أيضاً … وإذا تحدثت عن الثورة اليمنية ولم تتحدث عن الزبيري وشعره فإنك لم تتحدث عن أهم دعائم هذه الثورة … فالزبيري شاعر أشعل ثورة اليمن بشعره وقاد مسيرتها بشعره أيضاً وهو لذلك استحق من مواطنيه أن يلقب بأبي الأحرار وشاعر الثوار ، ولا أبالغ إذا قلت إن من يريد الإطلاع على أحوال اليمن وعلى تطورات الثورات والانتفاضات فيه فإن خير مصدر يستطيع أن يطلع عليه ويطمئن إليه هو حياة الزبيري وشعر الزبيري ، بل أستطيع أن أقول مطمئناً بأن ثورة الشعب اليمني على ظالميه قد تجسدت في هذا الشاعر العملاق ، وأن الشعب كان يجد له متنفساً في شعر الزبيري وأن هذا الشعب الثائر كان يستلهم ثورة من شعر الزبيري ذلك الشعر الذي كان يجلجل في سماء اليمن كأنه هدير المدافع وأزيز الرصاص ) انتهى .

ثم ذهب إلى مصر عام 1939م مع زميله عبد الله بن علي الوزير وكان له نشاط أدبي وسياسي ، وقوى صلته بالإمام حسن البنا والسيد الفضيل الورتلاني وأقطاب الإخوان المسلمين وحتى عادوا إلى اليمن سنة 1360هـ ( 1942م ) حيث حاول تأليف ( هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ) وانتهى به الآمر إلى اعتقاله ونفيه مع زميله محمد أبو طالب إلى جبل الأهنوم ) انتهى .

ويقول على ناصر العنسي : ( أول تجمع لنا كان في القاهرة ، عندما كنا ندرس في الأزهر ، وبدأنا الاتصال بالإخوان المسلمين ومنهم الشيخ حسن البنا الذي كان يرى أن اليمن أنسب البلاد لإقامة الحكم الإسلامي الصحيح ، وأن المناخ مناسب للإخوان المسلمين ليعملوا فيها ، فكان يهتم بنا اهتماماً خاصاً ويولي عنايته بشكل أخص لكل من الزبيري والمسمري اللذين كان يعتبرهما شخصيتين متميزتين ومن هنا بدأت الحركة الوطنية بين الطلاب اليمنيين وقد أرسل الفضيل الورتلاني إلى صنعاء حيث عمل عملاً كبيراً ) انتهى .

ومن أقول الشهيد الزبيري ( إن حكاية وحدة الصف بدون وحدة الهدف حكاية تافهة وخرافة ولا تعدو أن تكون في الواقع غير اتفاق على نفاق متبادل وغش مشترك ولقد أنكرنا الظلم في العهد الإمامي ثم أنكرنا الخطأ في العهد الجمهوري لأن المبدأ لا يتغير الأشخاص والأسماء والأشكال ، الحكم الجمهوري الذي نريده هو الحكم الجمهوري الإسلامي الصحيح الذي يقوم على أساس الشورى والذي يتمكن فيه أبسط أبناء الشعب أن يقوم رئيس الجمهورية وأن ينتقد أي وزير دون خوف من حبس أو لغم ينفجر في بيته أو عزله من الوظيفة فذلك واجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي أمرنا الله به ورسوله ) انتهى .

يقول عنه الشيخ عبد المجيد الزنداني ( .. ذلك هو العالم المسلم الواعي المجاهد الصادق محمد محمود الزبيري الذي ما تخلى عن دينه ولا تخلى عن عقيدته ولا تلوث في سلوكه ولا في خلقه بل كان نبراساً منيراً للأجيال يتحرك بوعي وعلم وبصيره ) انتهى .

التآمر عليه

لقد خشي الكثيرون من الزبيري وحزبه الذي يشكل خطراً على مطامعهم فحاربوه ثم دبروا اغتياله وهو خارج من المسجد في الحادي والثلاثين من شهر مارس سنة 1965م فخر شهيداً ودفن في تراب اليمن الحزين على فراقه قبل أن تنضج الثمرة ويقر عيناً بتوحيد اليمنيين .

رحم الله الأستاذ الزبيري رحمة واسعة وأفاض عليه من شآبيب رحمته ورزق الله أهل اليمن الأمن و الآمان.

ملفات للتحميل

  • z (309 kB)